أخبار تونسالاخبارعاجل

بحث هام حول تونس ما بعد الكورونا ……..أي مقاربة و أي إستثمار قانوني ممكن ؟

بقلم محمد العوني : قاض بالدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس وباحث

التي حتما ستكون لها وآثارا سياسية واقتصادية واجتماعية واسعة النطاق.

ورغم أهمية الظرفية، لم يقع إيلاء المسألة الأهمية الكاملة مع طرح الإشكاليات و استنباط الحلـول، وق حاول بعض الباحثين التطرق للموضوع، وهنا نقترح لكم إحدى الدراسات الهامة للقاضي و الباحـث
التونسي في القانون الدولي الإنساني محمد العونــي تحت عنـوان

تونس ما بعد الكورونا ……..أي مقاربة و أي إستثمار قانوني ممكن ؟

لا يختلف اثنان أن وباء كورونا (covid-19) يثير في جانبه القانوني على غرار ما أثاره من إشكاليات قانونية داخلية  لكل دولة من الدول التي اجتاحها , و المتعلقة أساسا بالقوانين الوطنية … مسائل و إشكاليات أخرى على غاية من الاهمية و الجدية  في علاقة  بقواعد القانون الدولي العام و ما مدى امكانية معالجة اثار هذه الجائحة و سلبياتها على  الدول المتضررة من هذا الوباء الذي فتك تقريبا بأغلب دول العالم  ,و بلادنا  هاهنا لم تكن بمأمن عن الاضرار الهامة التي تسبب فيها هذا الفيروس  و التي مست جميع مستويات الدولة , الاقتصادي و المالي و الاجتماعي و التربوي و الفلاحي …. لقد انهكت جميع المجالات في الدولة حتى لانقول تزعزعت , بل  اننا اصبحنا في لحظات اليأس و الذعر نخشى من تلاشي الدولة في مستواها الاقتصادي و المالي , كيف لا و نحن نصارع شبح التراكمات الاقتصاديات و المالية على مر تسعة اعوام , منذ الثورة , و ها نحن الآن في صراع جديد   اكثر خطرا و اشد بأسا …حرب و صراع لا من اجل الصمود الاقتصادي و المالي فقط …  بل من اجل البقاءالانساني خاصة, بعد أن كنا نطمح  في وقت ما الى حسن البقاء ها نحن اليوم نصارع شبح الموت ايضا , ربما يرى البعض منكم  في هذا رؤية تشاؤمية أو طرحا سوداويا قد يبعث في النفوس الأرق و القتامة, ربما كنتم على حق , غير أنني لست إلا كائنا متأثرا سلبا و إيجابا قد تأبى عواطفي احيانا الانسياق وراء تلك الموجات الايجابية التي  تبعث بها  بين الفينة و الأخرى المنصات التلفزية و خطابات بعض المسؤولين في الحكومة  و البعض من مماليك السياسة في تونس, فقط  أنا ارى نفسي اكثر تشبثا بالواقع و أشد ايمانا به …  ام أن “وهم نافع خير من حقيقة ضارة ” ؟ إنني لأمقط تلك القولة اشد مقط و اكفر بها أي كفر …. انا فقط اضع دائما رجلي على الأرض و لا أتفائل الا و أنا أقف على أرضية صلبة وآمنة , و بالرغم من ذلك  وبالرغم  من كل الخيبات المتتالية التي شهدها هذا الوطن المسكين … ها أنا ذا اجد نفسي مثل الجميع…..  في صراع جديد لم تظهر بعد معالمه إن كان نصرا أم هزيمة ….. غير أننا ,و مهما يكن من أمر,  أرى  أنه من واجبنا التفكير في مرحلة ما بعد هذا الوباء تفكيرا جديا و استراتيجيا تفرضه قطعا تلك المرحلة التي ستجد بلادنا فيها نفسها منهكة القوام متعبة تلتقط أنفاسها الاقتصادية و المالية بصعوبة و مشقة … ماذا بعد الكورونا ؟  ماذا عن كل الخسائر التي تكبدتها البلاد دون أن يكون لها أي ذنب في ذلك … هل نحن من كان سببا في هذا الفيروس ؟ هل نحن من كان سببا في هذا الوباء الذي أصاب العالم ؟ هل من رؤية ايزاء ذلك ؟ ألا يستحق الأمر تعويضا و جبرا ؟

في الحقيقة ليس الأمر بتلك السهولة التي يتصورها البعض رغم أن الامكانية تبقى قائمة قانونا في استرجاع كل تلك الخسائر و جبرها وتحميل المتسبب في ذلك مسؤوليته الدولية امام العالم كله بغض النظر عن كل رؤية سياسية قد تنتهجها البلاد في هذا الموضوع, إذ يلتحف الأمر هاهنا بلحاف سياسي ديبلوماسي أكثر من كل شيء آخر , بيد أن ذلك لا يحول دون إمكانية إثارة المسألة  في بعدها القانوني و طرحها على الأقل من وجهة نظر قانونية صرفة …. أما السياسات الدولية و العلاقات الخارجية و المصالح و التحالفات الاستراتيجية فتبقى بالنسبة لي حكرا على أهلها و هم أعلم  بها مني رغم أنني كثيرا ما أراهم على أكثر من قفزة بهلوانية فضائية لا فائدة ولا حاصل منها سوى الضحك و الدهشة ….  إذن كيف يمكن لنا أن نعالج مسألة التعويض عن الأضرار الاقتصادية و الخسائر المالية التي تكبدتها تونس جراء وباء كوروناcovid-19  من وجهة نظر قانونية ؟ هل ثمة حل قانوني لذلك ؟ ما قول القانون الدولي في المسألة ؟ أي مسؤولية قانونية يمكن أن يتحملها الطرف المتسبب في انتشار هذا الفيروس ؟

في الحقيقة تستلزم الاجابة عن جميع تلك التساؤلات عرض عدة مقاربات ممكنة تستوعب مسألة إمكانية انتهاج تونس المنهج القانوني الدولي لجبر جميع أضرارها الناجمة عن فيروس كورونا covid-19   .  ففيما تتمثل هذه المقاربات ؟

المقاربة الاولى : طلب تونس للتعويض على أساس المسؤولية الدولية 

 دوليا ومن وحيث القانون فإن كل خرق لالتزام دولي من قبل دولة ما، أو منظمة دولية ما، يوجب مساءلتها من الناحية القانونية تجاه الدولة المعتدى عليها أو المتضررة الأمر الذي يستدعي تحديد مفهوم المسؤولية الدولية (1) و أسسها (2) قبل التعرض لشروطها (3).

أولا : مفهوم المسؤولية الدولية :

 يقصد بالمسؤولية الدولية عموما : “تحمل الشخص الدولي نتائج أعماله والتعويض عن الضرر الذي يسببه للغير“. و يفهم من خلال هذا التعريف  أن الأثر الوحيد الذي قد يترتب  للشخص القانوني في مواجهة من أخل بالتزاماته هو التعويض عن هذا الإخلال  أو عدم الوفاء بالالتزام الدولي  المحمول على عاتقه و هو ما يعرف دوليا  بمصطلح “العمل غير المشروع” في علاقة بكل مخالفة للالتزام الدولي و هي قاعدة من القواعد الأصولية في القانون الدولي ، والمسؤولية الدولية ها هنا هي تلك التي ينشئها العمل غير المشروع  و تقوم بين أشخاص القانون الدولي و ليس بالإمكان  أن يكون أحد أطرافها من غيرهم ، غير أن تعريف المسؤولية الدولية لم يجد الى اليوم وحدته بين فقهاء القانون الدولي ربما سبب ذلك تأثر البعض بالمفهوم التقليدي للمسؤولية الدولية الذي يتأسس على إعتبار الدولة هي الشخص الوحيد للقانون الدولي , و على كل حال فقد عرف  الأستاذ بادفان المسؤولية الدولية بأنها : “نظام قانوني يترتب بموجبه على الدولة التي ارتكبت عمل يجرمه القانون الدولي ,التعويض عن الضرر الذي لحق بالدولة المعتدى عليها   في حين عرفها  المؤتمر الثالث للجنة تقنين القانون الدولي بلاهاي سنة  1930 بأنها: “كل دولة باعتبارها شخص دولي تلتزم بالوفاء بواجباتها القانونية الدولية ويتضمن التزامها بتقديم تعويض كامل عن الأضرار والخسائر المترتبة على مخالفة قانون دولي عام أو خاص أما الفقيه  كلسن فقد عرفها بأنها: “المبدأ الذي ينشئ التزاماً بإصلاح أي انتهاك للقانون الدولي ارتكبته دولة مسؤولة ويرتب ضررا .أما الدكتور  عبدالعزيز سرحان فقد عرفها  بأنها “الجزاء القانوني الذي يرتبه القانون الدولي العام على عدم احترام أحد أشخاص هذا القانون لالتزاماته الدولية”.في حين  عرفها الدكتور صلاح الدين عامر بأنها “مجموعة القواعد التي تحكم أي عمل أو واقعة تنسب إلى أحد أشخاص القانون الدولي، ينجم عنها ضرر لشخص آخر من أشخاص القانون الدولي وما يترتب على ذلك من التزام  بالتعويض, و على كل حال فإن المسؤولية الدولية تقوم على انتهاك أي شخص من أشخاص القانون الدولي لالتزام دولي يوصف بأنه غير مشروع، مما يترتب على الشخص الدولي المنتهك إصلاح ما ترتب على ذلك الانتهاك من ضرر سواء لحق به أو برعاياه بمعنى أن مسؤولية الدولة هي مبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي تنبع من طبيعة ً النظام الدولي ومبادئ سيادة الدول والمساواة بينها فكلما  ارتكب دولة ما فعل دولي غير مشروع ضد دولة أخرى تنشأ المسؤولية الدولية بين الدولتين، وأن خرق أي التزام دولي يستتبعه التعويض.

والمسؤولية الدولية قد تكون تعاقدية كإخلال الدولة بأحد التزاماتها التعاقدية من مواثيق دولية مثلا أو معاهدات ،و تكون ملزمة هاهنا بالتعويض عن عدم وفائها التعاقدي  ولو لم تنص المعاهدة أو الميثاق على ذلك، وقد تكون  المسؤولية تقصيرية أيضا و هي تلك  الناتجة عن إتيان الدولة لعمل غير مشروع إخلالا منها  بقواعد القانون الدولي أو بحق من الحقوق الأساسية للدول الأخرى  و هي في الحقيقة المسؤولية التي يمكن لتونس أن تؤسس عليها طلبها في جبر الأضرار الحاصلة لها تجاه الصين جراء فيروس  كورونا covid-19 , إذ لا يتصور طبعا  أن تكون المسؤولية في هذا السياق تعاقدية  رغم أن هذه التفرقة تجد حضورها أكثر في القوانين الداخلية , خاصة و أن أحكام المسؤولية الدولية هي ذاتها  سواء في حال الإخلال  بالالتزامات الاتفاقية أو القانونية , وبغض النظر عن هذه التفرقة فإن المسؤولية الدولية قد تكون مباشرة كأن تخل الدولة بشكل مباشر بالتزاماتها الدولية وقد تكون إلى ذلك  مسؤولية الدولة غير مباشرة  و هي حالة تحمل إحدى الدول مسؤولية خرق القانون الدولي من قبل دولة أخرى،مثل مسؤولية الدولة الحامية عن الدول المحمية.رغم أن هذه التفرقة قد انتقدت أيضا  من قبل البعض على أساس أن مسؤولية الدولة دائماً ما تكون مباشرة، وأن القائلين بهذه التفرقة متأثرين بأحكام القانون الروماني لأن  الدولة في جميع الحالات ومهما كانت الرابطة سواء حماية أو انتداب تتمتع بشخصية القانون الدولي العام و هو الرأي الذي أتبناه خاصة و اننا لسنا إيزاء مثل تلك الحالة ,غير أنه , و مهما يكن من اختلاف مفهومي فإن المسؤولية الدولية تقوم على أسس معينة 

 ثانيا : أساس المسِؤولية الدولية :

لقد ذهب  الفقه التقليدي في القانون الدولي إلى تبني مفهوم الخطأ كأساس للمسؤولية الدولية، بينما عارض البعض هذه النظرية و سوفها   على خلاف شق آخر إنتهج منهجا توفيقيا بينها وبين أسس أخرى للمسؤولية في حين فضل البعض الاستناد إلى العمل الدولي غير المشروع أو مخالفة إحدى قواعد القانون الدو لي, و على كل حال فإن  نظرية الخطأ الموجب للمسؤولية الدولية تعتبر الأساس  الأول  للمسؤولية الدولية على خلاف نظرية الفعل غير المشروع، ونظرية تحمل المخاطر. و تعد نظرية الخطأ من أقدم نظريات المسؤولية الدولية ويرجع الفضل في تأسيسها إلى للفقيه الهولندي “جروسيوس” كما يرجع الفضل في انتشارها إلى الفقيه المعروف “فاتيل وكالهما من آباء القانون الدولي الحديث. و ملخص القول في نظرية الخطأ  يكمن في فكرة بسيطة مفادها  أن الدولة تعتبر مسؤولة ما لم تخطئ ومن ثم تقوم المسؤولية الدولية ما لم يصدر من الدولة فعل خاطئ يضر بغيرها , و على كل حال فسواء كان ذلك من قبيل  الإهمال غير متعمد، أو أن يكون خطأ متعمدا ففي الحالتين  فإن المسؤولية قائمة  ،.ذلك أن  القواعد المستقرة في القانون الدولي تذهب بالأساس إلى اعتبار أن سلوك الدولة الخاطئ الذي يلحق ضررا  بدولة أخرى يرتب المسؤولية على عاتق الدولة المخطئة، و بالتالي نشوء التزام بالتعويض عن الأضرار  الحاصلة سواء كان متعمدا  أو كان غير متعمد أو ناتج عن تقصير أو إهمال , فإذا إنتفى  الخطأ من جانب الدولة التي تسببت في إحداث الضرر بأن كان نتيجة قوة قاهرة  مثلا أو ظروف طارئة أو نتيجة خطأ المتضرر نفسه , تنتفي والحالة تلك  المسؤولية الدولية بيد أن  الفقه الدولي ذهب إلى اعتبار أن هنالك بعض الأفعال خطيرة ليس فقط بالنسبة لدولة واحدة، بل بالنسبة لكافة الدول، وكنتيجة لذلك فإن الدولة المذنبة تعتبر مسؤولة  بصورة تلقائية في مواجهة الدولو هي الحالة التي تجد فيها الصين نفسها في مجابهة الدول المتضررة من فيروس كورونا covid-19  خاصة وأن شروط قيام المسؤولية الدولية في جانبها متوفرة .

ثالثا : شروط المسؤولية الدولية 

 في حقيقة الأمر، فقد  استقرت قواعد المسؤولية الدولية على أن مبدأ مسؤولية الدولة عن أعمالها الضارة ال تقوم  بها يتحقق بتحقق ثلاث شروط هامة و أساسية وهي وجود فعل غير مشروع (أ) و حصول ضرر (ب) وصدور الضرر من شخص من أشخاص القانون الدولي (ج) .

ج :وجود فعل غير مشروع :

يذهب غالبية فقهاء القانون الدولي على إطلاق مصطلح “سلوك غير مشروع” نتيجة ارتكاب أو إخلال  أحد أشخاص القانون الدولي بالتزام ملقى على عاتقه بموجب أحكام القانون الدولي. وهنا لا تأثير لمصدر الالتزام  الذي تم انتهاكه على قيام المسؤولية الدولية  سواء كان عرفياً أو اتفاقياً أو أن يجد مصدره في المبادئ القانونية الدولية أو الفقه القضائية  و قد أشرنا لذلك في موضع سابق من هذا المقال إذ تبقى المسؤولية قائمة في جانب دولة الصين و هي ملزمة قانونا بإصلاح ما نتج عنها من ضرر لتونس جراء إهمالها و تقصيرها, طبعا كل ذلك  إعمالا لمبدأ حسن النية و اعتبار أن فيروس كورونا covid-19  كان انتشاره نتيجة إهمال و تقصير منها في إطار تجارب و بحوث علمية و مخبرية وباعتبار أن تصرفها ذلك يعتبره القانون الدولي تصرفا غير مشروع دوليا فإن مسؤوليتها الدولية تبقى قائمة تجاه تونس و يحق لهذه الأخيرة طلب التعويض عن الضرر الحاصل لها جراء ذلك.علما أن التصرف غير المشروع قد يأخذ صورة إيجابية إذا حدث على إثر أعمال يحظرها القانون الدولي، وقد يأخذ صورة سلبية  و هي حالة الامتناع عن القيام بأعمال يلزم القيام بها وفقاً لأحكام القانون الدولي

(ب)الضرر :

لا يكفي لقيام المسؤولية الدولية أن يكون الفعل الصادر عن شخص القانون الدولي غير مشروعاً فحسب، بل يجب توافر عنصر الضرر لكي نكون إيزاء مسؤولية دولية إذ  تقوم المسؤولية الدولية على ذات القاعدة المقررة في نطاق قواعد القانون الداخلي، وفحوى هذه لقاعدة أن كل فعل غير مشروع يتسبب عنه ضرر للغير يلزم فاعله بجبر هذا الضرر. سواء أكان هذا الضرر صادر عن فعل إيجابي أو سلبي من قبل الشخص الدولي المعتدي.. كما إن الضرر قد يكون مادياً أو معنوياً، فالضرر المادي هو الذي يمس مصلحة أو حق من حقوق أشخاص القانون الدولي المادية أو حقوق رعاياه، كقيام دولة بإتلاف أو تدمير أحد منشآت دولة أخرى، أما الضرر المعنوي فإنه يتضمن كل مساس بقدر أو مكانة الشخص الدولي كامتهان كرامة ممثليها أو الإخلال  بما يجب لها من الاحترام، غير أن الاتهامات  المتقابلة بين الدولتين لأسباب سياسية فقد جرى العرف الدولي على عدم متابعتها و على كل حال فإن الثابت و المؤكد أن تونس ليست بمعزل عن الأضرار التي تسبب فيها الفيروس و بالتالي الصين باعتبار أنه من الثابت أنها أول دولة في العالم قد صدرت فيروس كورونا covid-19..

(ج)صدور الفعل من شخص من اشخاص القانون الدولي :

 في واقع الأمر لا يطرح هذا الشرط أي إشكال إذ لكي نكون إيزاء  مسؤولية دولية يجب إسناد العمل أو الامتناع عن عمل إلى شخص من أشخاص القانون الدولي، والدولة تعد  طبعا أحد أشخاص القانون الدولي. حيث يكون العمل الذي ينسب إلى الدولة صادرا ً عن إحدى سلطاتها أو أحد رعاياها ولكي يتم تحديد السلوك الذي يمكن نسبته إلى الدولة، يجب أن نعلم أن الدولة ككائن قانوني لا تستطيع التصرف من الناحية الواقعية بذاتها، لذلك فإن السلوك ال يكون صادرا  عن فرد أو جهاز جماعي يمثلها و ان يتصرف بهذه الصفة فالشخص الدولي ما هو إلا شخص اعتباري يمارس نشاطه بواسطة أشخاص طبيعيين يمثلونه ويعملون باسمه ولحسابه، فمن البديهي أن تتحمل تبعات تصرفاتهم بحكم أن التصرف  صدر من الشخص الطبيعي بسبب قيامه بوظيفته أو بحكم المركز الذي يشغله ورغم أن  التصرفات الصادرة عن سلطات الدولة مختلفة و متنوعة  كأن تكون أعمال صادر ة عن سلطتها التشريعية أو أعمال صادرة عن سلطتها القضائية أو أعمال صادرة عن سلطتها التنفيذية فإن ذلك لا يحول دون إخراج الأعمال العلمية و الأبحاث المخبرية من مجال المسؤولية الدولية .

إذن و على أساس كل ذلك و بغض النظر عن  السياسة الخارجية التي سوف تنتهجها تونس في خصوص هذه المسألة و من وجهة نظر قانونية صرفة فإن حق تونس يبقى قائما قانونا في مجابهة الصين و طلب التعويض عن جميع الأضرار الاقتصادية و المالية التي تكبدتها جراء فيروس كورونا covid-19   على أساس قواعد المسؤولية الدولية التي تبقى حاضرة لو تجرأت تونس على رفع  شكواها إلى محكمة العدل الدولية باعتبارها المختصة قانونا سواء في مواجهة دولة الصين و هي الأقرب إلى ذلك مبدئيا أو حتى في مجابهة أي دولة أخرى قد تكون  المسؤولة الاولى عن انتشار وباء كورونا covid-19 .

في واقع الأمر وإن كانت هذه المقاربة يمكن اعتمادها من قبل تونس  كأساس قانوني  لطلب جبر الضرر و تعويض الأضرار الناجمة عن فيروس كورونا covid-19 في مواجهة الصين  فإن الأمر قد يكون أكثر تعقيدا إذا ما أخذنا المسألة من وجهة نظر مختلفة . فماذا لو ثبت مثلا  أن استخدام الفايروس كان من قبيل السلاح الجرثومي.؟ هل   من إمكانيات قانونية لذلك ؟ كيف عالج القانون الدولي هذه المسألة ؟  إن هذه المقاربة تطرح بالأساس عدة فرضيات قانونية في علاقة بقواعد القانون الدولي الإنساني و قانون المحكمة الجنائية الدولية . فماهي اذن الحلول القانونية التي تطرحها هذه المقاربة ؟

المقاربة الثانية : فيروس كورونا covid-19  سلاح جرثومي- بيولوجي                                                                          

من المحتمل أن يكون فيروس كورونا covid-19   عبارة عن سلاح هجومي قاتل، جرى تطويره ليُستعمل في الحرب البيولوجية، واستخدمت في تطويره تقنيات مزدوجة، تجمع بين التطوير البيولوجي والتعديل الجيني، لا يعتبر استخدام الأسلحة البيولوجية الفتاكة أمرا طارئا في تاريخ البشرية، بل إن الكثير من المصادر تُعيد بداية استخدام هذه النوع من السلاح إلى آلاف السنين. ومن أقدم حالات استخدام الأسلحة البيولوجية الموثقة في كتب التاريخ، نجد قيام الفيلسوف والقائد اليوناني “سولون” باستخدام عشب مميت في تسميم مياه خصومه.و جيش “السكيثيون” . و الآشوريون أيضا كان لهم نصيب من حرب الجراثيم،.و “جنكيز خان”في القرن الثالث عشر , أيضا لجأت بريطانيا العظمى إلى السلاح البيولوجي في القرن الـثامن عشر ، و لعل أشهر استخدام للسلاح الجرثومي في العصور القديمة كان من قبل جيش المغول خلال القرن الرابع عشر.

أما في العصر الحديث، فالعلاقة قائمة بين تجنيد الأوبئة وبين الاستعمار، ففي الحرب العالمية الأولى استخدم الجيش الألماني الجمرة الخبيثة والكوليرا،. أما الحرب العالمية الثانية فمن أشهر ما عرفته من أسلحة جرثومية هو قيام اليابان بتسميم ألف بئر ماء كان يشرب منها الصينيون، فأصيب الكثير منهم بالكوليرا والتيفوئيد. في حقيقة الامر فإن الأسلحة البيولوجية أو الجرثومية متنوعة و متعددة على مر العصور و الأمثلة في ذلك كثيرة      

و على العموم فأن السلاح الجرثومي أو البيولوجي على حد تعبير البعض  هوسلاح   لديه القدرة على اِمكانية إصابة وقتل أعداد هائلة من البشر وإحداث الضرَّر البالغ في المجتمع، و الأسلحة البيولوجية بعضها مميت، وليست كلها معدية أو ناقلة للعدوى أيِّ أنها فتاكة في وقت اِستخدامها، وهدفها غالباً القتل وإحداث الخسائر البشرية الكبيرة، وليس نقل العدوى المرضية .

إن هذا الطرح القائل بإمكانية أن يكون فيروس كورونا covid-19  سلاحا جرثوميا- بيولوجيا من شأنه أن يفتح باب النقاش القانوني حول أساس التعويض الذي يمكن لتونس على أساسه أن تطلب جبر اضرارها دوليا و الحال أن هذه المقاربة أيضا تخفي في طياتها أكثر من فرضية  باعتبار  أن القول بأن كورونا قد يكون سلاحا بيولوجيا يجعلنا ايزاء اكثر من سيناريو قانوني فإما أن نكون إيزاء جريمة عدوان دولي (الفرضية الأولى ) أو إيزاء جريمة ضد الإنسانية (الفرضية الثانية ) أو ربما حتى إيزاء جريمة حرب (الفرضية الثالثة ).

الفرضية الأولى  : فيروس كورونا covid-19   جريمة عدوان دولي 

  لقد مر مفهوم العدوان في نظام روما بمرحلتين : الأولى أثناء انعقاد المؤتمر المعني بإنشاء المحكمـة الجنائيـة الدولية عام 1998 ، المرحلة الثانية في مؤتمر “كامبالا” سنة 2010  . لقد تم اقتباس تعريف لجريمة العدوان الدولي من التعريف الوارد بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 المؤرخ في 14/12/1974  و قد تم تعطيل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالنظر في جريمة العدوان طيلة سنوات عدة و ذلك لعدم احتواء القانون الساسي للمحكمة تعريفا خاصا بتلك الجريمة، في حين أن التعريف موجود منذ سنة 1974 ما يبرر أن عدم تحديد مفهوم للعدوان  يرجع بالأساس إلى عدم وجود نية دولية قوية  آنذاك لتحديد مفهوم العدوان وإدراجه ضمن اختصاص المحكمة بسبب اعتراض بعض الدول النافذة على ذلك .

و قد جاء نص التعديل وفقا لما يلي تحذف  الفقرة 2   من المادة 5 من  النظام الأساسي 

:8- يدرج النص التالي بعد المادة 8  من النظام الأساسي 

 المادة 8 مكرر , جريمة العدوان :

1-لأغراض هذا النظام الأساسي، تعني ” جريمة العدوان”  قيام شخص ما، له وضع يمكنه فعلا من التحكم في العمل السياسي أو العسكري للدولة أو من توجيه هذا العمل، بتخطيط أو إعداد أو بدء أو تنفيذ عمل عدواني يشكل، بحكم طابعه وخطورته ونطاقه، انتهاكا واضحا لميثاق. الأمم المتحدة.

2-لأغراض الفقرة (1) يعني ” العمل العدواني”  استعمال  القوة المسلحة من جانب دولة ما ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أو بأي طريقة أخرى تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة ،وتنطبق صفة العمل العدواني على أي عمل من الأعمال  التالية، سواء بإعلان حرب أو بدونه و ذلك  وفقا للقرارات لجمعية العامة  الأمم المتحدة  

قيام القوات المسلحة لدولة ما بغزو إقليم دولة أخرى أو الهجوم عليه، أو أي احتلل  عسكري، ولو كان مؤقتا، ينجم عن مثل هذا الغزو أو الهجوم، أو أي ضم إقليم دولة أخرى أو لجزء منه باستعمال  القوة

  1. – قيام القوات المسلحة لدولة ما بقصف إقليم دولة أخرى بالقنابل، أو استعمال  دولة ما أية أسلحة ضد إقليم دولة أخرى
  2. ضرب حصار على موانئ دولة ما أو على سواحلها من جانب القوات المسلحة لدولة أخرى
  3. قيام القوات المسلحة لدولة ما بمهاجمة القوات المسلحة البرية أو البحرية أو الجوية أو الأسطولين البحري والجوي لدولة أخرى
  4. قيام دولة ما باستعمال  قواتها المسلحة الموجودة داخل إقليم دولة أخرى بموافقة الدولة المضيفة على وجه يتعارض مع الشروط التي ينص عليها الاتفاق.، أو أي تمديد لوجودها في الإقليم المذكور إلى ما بعد نهاية الاتفاق.
  5. سماح دولة ما وضعت إقليمها تحت تصرف  دولة أخرى بأن تستخدمه هذه الدولة الأخرى6  لارتكاب عمل عدواني ضد دولة ثالثة
  6. إرسال  عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غير نظامية أو مرتزقة من جانب دولة ما أو باسمها تقوم ضد دولة أخرى بأعمال  من أعمال  القوة المسلحة تكون من الخطورة بحيث تعادل 1العمال  المعددة أعلاه، أو اشتراك الدولة بدور ملموس في ذلك

من خلل  عرض ذلك التعريف يتبين أنه قد تم وضعه تحت إطار المادة 8 مكرر المستحدثة بعد إلغاء الفقرة الثانية من المادة 5  من القانون الساسي لروما التي تنص على أنه ”  تمارس المحكمة الاختصاص على جريمة العدوان متى اعتمد حكم بهذا الشأن وفقا للمادتين  121و 123 يعرف جريمة العدوان ويضع الشروط التي بموجبها تمارس المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بهذه  الجريمة أو يجب أن يكون هذا الحكم متسقا مع الإحكام ذات الصلة  من ميثاق الامم المتحدة, كما تم ترتيب تلك المادة مباشرة بعد المادة 8 من القانون الأساسي :  تتكون تلك المادة من فقرتين مترابطتين سيتم تفصيلهما فيما يلي:

تضمنت الفقرة الأولى تحديدا لصفة الشخص الذي يرتكب جريمة العدوان و الذي اشترطت المادة، أن يكون له وضع يمكنه فعل من التحكم في العمل السياسي أو العسكري للدولة أو من توجيه هذا العمل، كما حددت تلك المادة الفعال التي يرتكبها ذلك الشخص و التي تكتسي وصف جريمة العدوان، و هي التخطيط و الإعداد و البدء و التنفيذ لعمل عدواني ، و يكفي ارتكاب فعل من احد تلك الفعال بمعزل عن الفعال الخرى ليعتبر الشخص مرتكبا لجريمة العدوان و ذلك يستنتج من خلل استعمال عبارة “أو” عند تعداد تلك الفعال.

كما تضمنت تلك الفقرة في الخير المعيار الذي يمكن من خلله اعتبار ذلك الفعل عمل عدوانيا من عدمه، باشتراطها بلوغه درجة من الجسامة تتمثل في انتهاكه الواضح لميثاق الأمم المتحدة.

أما الفقرة الثانية فقد جاءت لإزالة الغموض عن سابقتها بإيرادها تعريفا لمصطلح العمل العدواني الوارد بالفقرة السابقة، فتم تعريفه بأنه استعمال للقوة المسلحة من جانب دولة ما ضد سيادة دولة أخرى أو سلمتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أو بأي طريقة أخرى تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة

كما ورد بنفس الفقرة تعداد لبعض الفعال التي ينطبق عليها وصف العمل العدواني، وعددها سبعة ، و تم تأكيد ثبوت صفة العمل العدواني على تلك الفعال سواء  بإعلان حرب أو بدونه استنادا على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة .

, نتبين من خلال المادة 8  مكرر المستحدثة ضمن القانون الأساسي لروما انه قد تم اعتماد السلوب المختلط في تعريف العدوان، فبعد تعريف العدوان بطريقة عامة في الفقرة الأولى ، تم استكماله بذكر حالت محددة بصفة خاصة تم اعتبارها أفعال عدوانية ، و التي تم ذكرها على سبيل المثال و الذكر  لا الحصر، و ذلك بالرجوع إلى المادة 4 من قرار الجمعية عدد 3314 الذي تم الاستناد عليه في المادة 8 مكرر من المنطقي أن يتم اعتماد السلوب المختلط في التعريف لنه أكثر إلماما بالحالات المحتملة للعدوان التي يمكن حدوثها في العالم، ونظرا لثبات هذا السلوب نجاعته مقارنة بالسلوبين الحصري و العام .

و يظهر جليا لدى الطلع على التعريف المعلن عنه بالمؤتمر الاستعراضي، أنه قد تم اعتماد طريقة الاتجاه الإرشادي أو المختلط في تحديده، إذ اشتمل على فقرة تضمنت تعريفا عاما وفقرة أخرى تناولت تعدادا لبعض الحالات التي تكتسي وصف العدوان محددة على ، للجريمة سبيل المثال ل الحصر، و هو التعريف الذي يوافق لحد بعيد التعريف الذي توصلت إليه الجمعية . 14/12/1974 الصادر بتاريخ 3314 العامة

أكثر إلماما بالحالات المحتملة للعدوان التي يمكن حدوثها في العالم، ونظرا لثبات هذا السلوب نجاعته مقارنة بالسلوبين الحصري و العام .

إهماله لمظاهر العدوان الخرى كالعدوان الاقتصادي و الأيديولوجي. 

الفرضية الثانية : فيروس كوررونا covid-19  جريمة ضد الإنسانية 

تعد الجرائم ضد الإنسانية من أبشع وأفظع الجرائم الدولية على الإطلاق، لما تشكله من اعتداء فادح على الحقوق الأساسية للفرد كالحق في الحياة وفي سلامة الجسد وفي الحرية و في العرض والشرف. إذ أن المساس بهذه الحقوق يهدر كليا صفة الإنسان ويحط من قيمة الإنسانية جمعاء , وقد وضع مفهوم “الجريمة ضد الإنسانية” أساسا لحماية الصفة الإنسانية، وتجريم كل اعتداء عليها ، الأمر الذي يقتضي  حماية الحقوق الأساسية المعترف بها للفرد سواء في الحرب أوخاصة وقت السلم من جراء طغيان بعض الحكام الذين يتنكرون للقيم الإنسانية العليا ويهدرون حقوق شعوبهم ويعتدون على فئات أو مجموعات منهم لأسباب ،سياسية , عرقية أو دينية  .

إن  مفهوم “الجريمة ضد الإنسانية” هو مفهوم حديث نسبيا ّ في القانون الدولي الجنائي، حيث كان أول استخدام له ضمن نظام محكمة نورمبارغ إذ يعد “بند مارتنز ” الذي تضمنته إتفاقية لاهاي لسنة 1907  المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية أحد السوابق المهمة لظهور الجريمة ضد الإنسانية إذ نص على ضرورة خضــوع الأطراف المتنـازعة “لقوانين الإنسـانية”، و قد أوردت المادة 6-ج من ميثاق المحكمة العسكرية الدولية بنورمبارغ التي تكونت بموجب اتفاقيه لندن لمحاكمة مجرمي الحرب العالمية الثانية عدة أمثلة على الجرائم  ضد الإنسانية لما نصت على انها ” قتل أو استئصال أو استرقاق أو تهجير أي سكان مدنيين , و الأعمال غير الإنسانية الأخرى التي ترتكب ضد أي سكان مدنيين قبل الحرب أو أثنائها أو الإضطهادات بسبب الإنتماء العرقي , القومي , السياسي , أو الديني تنفيذا لأية جريمة تدخل في اختصاص المحكمة أو إرتباطها بها سواء إعتبرت هذه التصرفات منتهكة أو غير منتهكة للقانون المحلي للبلد الذي نفذت فيه هذه التصرفات ” . هذا التعداد أيضا أورده ميثاق المحكمة العسكرية الدولية بطوكيو المؤرخ في 19 جانفي 1946 .  أما نظاما المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا سابقا في المادة 5 منه و المحكمة الجنائية الدولية برواندا في المادة 3 منه  و هما محكمتان ضرفيتان فقد أبقيا على التعداد الذي أوردته المادة 6-ج من ميثاق المحكمة العسكرية الدولية بنورمبارغ  مع إضافة جرائم أخرى كجرائم الابادة و الاغتصاب و التعذيب و البغاء الجبري و السجن و الابعاد ,,, و غيرها من الجرائم الاخرى  .

أما المادة 7 من نظام المحكمة الجنائية الدولية CPI فقد نصت على أنه ” يشكل أي من الأفعال المذكورة جريمة ضد الانسانية متى ارتكبت في إطار اعتداء واسع النطاق و منهجي ضد أي من السكان المدنيين مع العلم بالاعتداء : 

 

أ: القتل 

ب: الاستئصال 

ت: الاسترقاق 

ث: النقل القسري للسكان أو الإبعاد 

ج: السجن أو الحرمان من الحرية في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي 

ح: التعذيب 

خ: الاغتصاب , الاسترقاق الجنسي , البغاء الجبري , التعقيم الجبري أو غيره من أشكال الاعتداء الجنسي ذي الخطورة المماثلة .

د: اضطهاد أي جماعة لأسباب سياسية أو عنصرية أو وطنية أو دينية أو ثقافية أو أثنية أو لأسباب أخرى مماثلة , وفيما يتصل بالأفعال المنصوص عليها في الفقرة الأولى أو الجرائم الخاضعة للاختصاص المحكمة 

ذ: الإخفاء القسري للأشخاص 

ر: الفصل العنصري 

ز: الأفعال اللاإنسانية الأخرى التي تتسبب عمدا في معاناة شديدة أو في إصابة خطيرة تلحق بالبدن أو بالصحة البدنية أو العقلية ” 

 إن قراءة  المادة 7 من نظام المحكمة الجنائية الدولية خاصة في فقرته الأخيرة (الفقرة ز ) و التي اعتبرت أن الجريمة ضد الانسانية تتمثل كذلك في جميع الأفعال اللاإنسانية الأخرى التي تتسبب عمدا في معاناة شديدة أو في إصابة خطيرة تلحق بالبدن أو بالصحة البدنية أو العقلية ”  من شأنها أن تنسحب على الوضع الذي يعيشه العالم جراء فيروس كورونا covid-19  خاصة و أن هذه الفقرة الاخيرة يمكن أن تستوعب جميع الأفعال اللاإنسانية دون حصرها في أفعال معينة و التي يمكن تحديدا ان تتسبب في معاناة شديدة أو في إصابة خطيرة قد تلحق بالبدن أو بالصحة البدنية أو العقلية و هي الحالة التي قد تجد الصبن نفسها على أساسها  محمولة على جبر الأضرار و التعويض  على اعتبار  أنه يمكن أن يكون انتشار الفيروس من قبيل الجرائم ضد الإنسانية اعمالا للفقرة الأخيرة ( الفقرة ز ) من نظام المحكمة الجنائية الدولية .

 الفرضية الثالثة : فيروس كورونا covid-19  : جريمة حرب 

تعرف المادة 6-ب من ميثاق المحكمة العسكرية الدولية بنورمبارغ جرائم الحرب بأنها : انتهاكات قوانين و أعراف الحرب , و هذه الانتهاكات تشمل و لكن لا تقتصر على : القتل , سوء المعاملة أو ترحيل السكان المدنيين سواء من الأراضي المحتلة أو إليها بغرض السخرة أو أي غرض آخر , قتل أو إساءة معاملة أسرى الحرب , أو الأشخاص في البحار , قتل الرهائن , نهب الملكية العامة أو الخاصة , التدمير العشوائي للمدن أو القرى أو البنادر أو التغريب الشامل الذي لا تبرره أي ضرورة عسكرية ” 

كل هذه الأفعال ربطها ميثاق المحكمة العسكرية بالحرب  

و أوردت المادة 8 من نظام المحكمة الجنائية الدولية التي تحمل عنوان جرائم الحرب 50 جريمة حرب ربطت إرتكابها :

 

أ: بخرق معاهدات جنيف المؤرخة في 12 أوت 1949 

ب: خرق القوانين و الأعراف المنطبقة على النزاعات الدولية المسلحة في إطار القانون الدولي 

ت: بخروقات المادة 3 المشتركة بين معاهدات جنيف الأربعة المؤرخة في 12 أوت 1949 في حالة النزاع المسلح الذي لا يكتسي صبغة دولية .

ث: بالخروقات الأخرى للقوانين و الأعراف المنطبقة على النزاعات المسلحة التي لا تكتسي طابعا دوليا في إطار القانون الدولي , 

و على كل حال فإن جريمة الحرب هي  كل انتهاك لقوانين وأعراف الحرب والتي ترتكب أثناء النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية   غير أن تكييف إمكانية أن يكون انتشار فيروس كورونا covid-19  بأنه جريمة من جرائم الحرب يبقى في حقيقة الأمر مشروطا  بمفهوم كلمة “الحرب الفعليّة” أو “النزاعات المسلحة” ومناقشة ما إذا كان هناك  حرب بالفعل تم استخدام السلاح البيولوجي – الجرثومي  فيها خاصة أن مفاهيم القانون الدولي الإنساني تنطبق على النزاعات المسلحة فقط. و باعتبار أننا لا يمكن أن نجزم بأننا نواجه نزاعاً مسلحاً صريحاً بالمفهوم القانوني  الصرف ,

 في واقع الأمر فإن المسألة على قدر كبير  من الجدل خاصة لو تبين ان فيروساً مفتعلاً في مختبرات خاصة قد تم تطويره واستخدمه بالفعل. في كل هذه الفرضيات الثلاث فإن النقاش القانوني يبقى مطروحا ، لو أن الموضوع تطوّر إلى إعمال قواعد القانون الجنائي الدولي. فماذا لو قام مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية بدوره في ابتداء التحقيقات الجنائية ضد أي شخص يشك في ضلوعه بأي من تلك الجرائم. هذا لأن مدّعي عام المحكمة الجنائية له حق جوهري إذا ما ذهب إلى اعتبار وجود مخالفة قانونية تدخل  في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في ان يباشر و يبتدئ ما يراه  مناسباً من تحقيق  دون أن نتغافل عن حقيقة أن الصين ليست طرفاً في اتفاقية روما، فضلا على كون التحقيق  يمكن أيضاً أن يتم بقرار من مجلس الأمن، والذي لا شك سيأخذ منعطفاً صعبا في هذا الشأن كون امتلاك الصين لحق الفيتو الذي سيكون بلا شك بالمرصاد لو تجرأت الولايات المتحدة الأمريكية على اتهامها على سبيل المثال.

المقاربة الثالثة : فيروس كورونا covid-19  خرق لدستور منظمة الصحة العالمية 

إن مسألة  إخضاع الدولة المتسببة بانتشار فيروس كورونا covid-19   للمثول امام محكمة العدل الدولية و طلب التعويض عن جميع الخسائر  بسبب فشلها بواجب “الإشعار السريع” ومشاركة المعلومات المتعلقة بالأوبئة و الإعلام بها  قبل فوات الأوان  تبقى المقاربة الاكثر نجاعة و الفرضية الأكثر ملازمة للصين  التي بدأ الفايروس الانتشار من أراضيها وتأخرت في دق ناقوس الخطر، حتى وصل الانتشار أصقاع  الأرض كلها.


ولتجاوز مسألة توافر الاختصاص القضائي، وبموجب المعطيات الحالية، أرى أنّه يمكن ذلك فقط بالاستناد على المادة 75 من دستور منظمة الصحة العالمية ذاته والتي تنص على أن “أي مسألة أو نزاع يتعلق بتفسير أو تطبيق هذا الدستور لا تتم تسويته عن طريق التفاوض أو جمعية الصحة يُحال إلى محكمة العدل الدولية …”. فبرأينا، لا بد من استيعاب تفسير موسع لنص المادة 75 تماما كما ثبت اتجاه محكمة العدل الدولية في تبني تفسير موسع لاختصاصها العام الماضي في القضية التي نظرت فيها بين روسيا و أكرانيا ، حيث تبنت المادة 22 من اتفاقية عدم التمييز العنصري هذا المفهوم الموسع لإرساء اختصاصها في نظر القضية بينهما وتمرير قرارها على ذلك الأساس. وعليه، يبدو أنّه يمكن أن يتاح  لتونس أو لأي دولة لها مصلحة ، تريد رفع  قضية تعويض ضد الصين بشأن انتشار قايروس كوفيد – 19، أن تبتدئ بتسجيل قضيتها دونما أدنى حاجة من أن تفعل ذلك من خلال اللجوء لجمعية الصحة كشرط لأن تُحال القضية إلى محكمة العدل. كما يمكن الاعتماد على المادتين 21 و 22 من دستور منظمة الصحة العالمية واللتان تمنحا جمعية الصحة العالمية سلطة اعتماد لوائح تنفيذية (مثل اللوائح الصحية الدولية)، وعلى أنّها باعتمادها تلك اللوائح “تدخل حيز التنفيذ بالنسبة لجميع الأعضاء”. وهكذا، يمكن تصوّر مسائلة الصين قانونياً عن انتهاكها لمبدأ “الإشعار السريع ” وكما يمكن ايضاً الادعاء بأن الصين انتهكت المادة 64 من دستور منظمة الصحة العالمية، التي تنص على أنّ “يقدم كل عضو تقارير إحصائية ووبائية بطريقة تحددها جمعية الصحة”. فضلا على أن  المادة 6 (2) من جهتها تلزم الدول الأطراف، بعد إشعار منظمة الصحة العالمية بحدث قد يشكل حالة طوارئ صحية عمومية تثير قلقًا دوليًا، “إبلاغ منظمة الصحة العالمية … بدقّة وفي الوقت المناسب”. وكما تتطلب المادة 7 من الدول الأطراف بأنّه في حال كان للدولة أدلة على حدث يشير إلى إمكانية وقوع وباء أن تسارع إلى “تزويد منظمة الصحة العالمية بجميع المعلومات الصحية العمومية ذات الصلة”. وبناء على ذلك، يمكن لتونس أن تدعي أن الصين انتهكت المادة 64 من دستور منظمة الصحة العالمية من خلال انتهاك المادتين 6 و 7 من اللوائح الصحية الدولية.


هذه البدائل ستكون ممكنة فقط في حال ما ذهبت تونس الى توخي النهج القضائي لموضوع انتشار وباء كورونا covid-19  في مواجهة دولة بحجم الصين. وهي  قطعا ليست بالمهمة البسيطة غبر أنه  حتى إذا لم يكن الطعن القانوني ذي نتيجة  فإن  فرض هذه القضية في جدول أعمال محكمة العدل الدولية  و على طاولتها قد يحقق ربما  انتصارات سياسية كبيرة فالاستثمار القانوني و القضائي في مثل هذه الظروف قد يكون فعلا من الأمور المحمودة التي يجب انتهاجها .

بقلم محمد عوني : قاض بالدائرة الجنائية بمحكمة الإستئناف بتونس و باحث في القانون الدولي الإنساني

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

ترك الرد

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock