أخبار العالمحول العالم

تفاصيل رحلتي بحثًا عن العربي الوحيد الناجي من تيتانيك

إعداد Yasmeen Saad

“أمضيت 3 سنوات بحثًا عن طيف لم أكن متأكدة حتى من صحة اسمه، ولم أتخيل أنني سأنفرد بتفاصيل قصته وصوره ورسالة نادرة بخط يده”

 

في عام 2012 شاهدت تقريرًا تلفزيونيًا على إحدى القنوات اللبنانية يتحدث عن ضحايا السفينة تيتانيك، في الذكرى المئوية لغرق السفينة في نيسان 1912، وفوجئت بعائلات لبنانية تنعى ذويها الذين قضوا نحبهم في كارثة غرق السفينة. حكايات عديدة رواها أقارب ضحايا السفينة، بعضها كان متضاربًا، لكنها انتهت جميعًا بحقيقة مؤكدة، وهي أنهم قضوا على متن تيتانيك.

تملكني الذهول عندما علمت بأن تيتانيك كان تضم على متنها عربًا، دفعني الفضول للدخول على الموقع الرسمي للسفينة Encyclopedia Titanica لأبحث عنهم. قرأت العديد من القصص، ومن بين جنسيات عديدة بحثت عن مصر وأنا أتوقع أن النتيجة ستكون سلبية، لكنني فوجئت بظهور اسم “حمد حسب” ضمن قاعدة البيانات، باعتباره المصري الوحيد على متن السفينة، لكن دون تفاصيل إضافية. حاولت الحصول على معلومات إضافية عن المصري الغامض على متن السفينة الشهيرة، لكنني لم أنجح في الحصول على أي معلومات، فيما بدا لي تطبيق عملي للمثل الشهير عن “الإبرة وكومة القش.” عند هذه اللحظة قررت أن أبحث عن هذا الشخص، على الرغم من أن الموقع الذي يضم قاعدة بيانات السفينة أعلن عن فشله في الحصول على أي معلومة تخصه، أو حتى في التأكد من أن “حمد حسب” هو اسمه الحقيقة من عدمه. في هذه اللحظة قررت التوصل إلى هذا الشخص الغامض، واستكمال صفحة بياناته المنقوصة على موقع السفينة.

(تغطية غرق تيتانيك بالصفحة الأولى لصحيفة The Times Dispatch الأمريكية في اليوم التالي للحادث)

لم يتحمس أحد للفكرة عندما عرضتها لتكون نواة فيلم وثائقي، فالبحث عن شخص كان متواجدًا على متن سفينة غرقت منذ 100 سنة (بطبيعة الحال فارق الحياة)، وسط سكان بلد تعداده 80 مليون نسمة، درب من الخيال، لكنني تمكن في النهاية من إقناع إحدى الصحف المصرية بالبحث عن “حمد” لصالحها. بدأت بوضع قائمة بالأماكن التي سأبدأ بالبحث من خلالها، وكان على رأسها “دار المحفوظات”، و”دار الوثائق المصرية”، لتقصي أثر عن أي شهادة ميلاد، وفاة، أو أي عقد كان مكتوب باسم “حمد حسب” وقد قدرت الفترة التي من الممكن أن يكون ولد خلالها، وفقًا للمعلومات المتاحة على موقع Enclopedia Titanica، ولكنني لم أجد شيئًا.

ذهبت بعدها إلى دار الكتب للبحث عن جميع الأخبار التي نشرت عن تيتانيك في الصحف التي كانت موجودة في هذه الفترة، حيث شاهدت على ميكروفيلم صغير، جميع أعداد جريدة الأهرام يومًا بيوم، قبل إبحار الجريدة بشهر، وبعد غرقها بشهر، ولم أجد سوى وصف للسفينة، وأن الشركة مالكة السفينة أعلنت عدم وجود أي راكب عربي على متنها، ويبدو أن الأهرام كانت واثقة من بيانات الشركة، فلم تسأل مرة أخرى، وفي نفس الوقت لم تعلن عائلة “حمد حسب” عن اختفاءه في أي جهة إعلامية. راجعت دار البريد بحثًا عن أي تلغراف أرسله شخص باسم “حمد حسب” في فترة غرق السفينة وما بعدها، ولم أجد أي شيء، ولفت أحد الموظفين انتباهي لاحتمالية أن يكون اسم “حمد حسب” قد نقل بشكل خاطئ عبر الموقع الأجنبي، وأن الاسم الصحيح هو محمد حسب الله، فهذا أكثر واقعية ومنطقية، وربما لم يسفر بحثي عن نتيجة حتى الآن حتى الآن لأنني أبحث عن شخص غير موجود من الأساس.

انتابتني مخاوف كثيرة من أنني بالفعل أبحث عن الشخص الخاطىء، ولكن لم أرد أن أحرّف شيء، فقررت أن أبحث عن الاسم كما وجدته، إلى أن يكون عندي دليل يدفعني لتغيير الخطة. هاتفت فندق مينا هاوس، وشركة توماس كوك للسياحة في مصر وفرعها بأمريكا، بالإضافة إلى دار نشر “هاربر” الذي كان مالكها “هنري هاربر” صديق لـ”حمد”، وكان هو من دعاه لرحلة تيتانيك الأولى والأخيرة، وكانت النتيجة واحدة من الجميع، لا يوجد لدينا أي أرشيف، ولا نعلم من هو “حمد” من الأساس. خلال هذه الرحلة، لم يكن معي المال الكاف للإنفاق على تكاليف التحقيق التي بدأت تلتهم رصيدي المحدود، وأتذكر أنني اضطررت أن أمشي لمسافة طويلة بحثًا وراء خيط بدا لي أنه يمكن أن يقودني لهدفي، اكتشفت وقتها أنني لا أملك أكثر ثلاثة جنيهات، فقررت مواصلة العمل على قدمي، وأُصبت جراء ذلك بضربة شمس.

خيبة أمل
أُصبت بخيبة أمل، وأٌغلقت في وجهي كل الأبواب، فقررت أن أنشر تحقيق مطول عن رحلة البحث التي لم تكلل بالنجاح في إحدى صحيفة اليوم الجديد المصرية عام 2015، ووضعت خلال التحقيق كل الفرضيات الممكنة لمصير الراكب المصري الغامض، وقوبل التحقيق باحتفاء كبير، وانتشر على نطاق واسع، لكنه لم يكن كافيًا بالنسبة لي، عندها فقط أدركت أنني لن استريح قبل العثور على عائلة “حمد” وكشف الغموض المحيط بقصته.

كان أملي الوحيد هو رؤية عائلة “حمد” للتحقيق، والتواصل معي، ولم يتم ذلك سريعًا كما كنت أتمنى، وطوال أسابيع بعدها ظلت السفينة الغارقة تراودني في أحلامي، وأقرأ وأشاهد كل ما يمكنني الوصول له عنها في يقظتي، بحثًا عن خيط ما يمكن أن يساعدني في الوصول لهدفي، إلى أن فوجئت بتعليق من إحدى معارف عائلة “حمد” على التحقيق المنشور، فسارعت بالاتصال بها على أمل أن تكون جادة، وليست واحدة من هؤلاء الأشخاص الذين طالما قابلوني بالسخرية من فكرة وجود شخص مصري على متن تيتانيك.

عندما قررت التواصل مع صاحبة التعليق التي قالت أنها تعرف “حمد حسب” لم أكن أعمل في أي جهة، ولم أكن أعلم أين سأقوم بنشر القصة، كنت في أسوأ حالاتي ومرهقة بسبب طول رحلة البحث التي استمرت نحو 3 سنوات. وعلى عكس توقعي، لم تكن صاحبة التعليق تسخر مني، ورتبت لقائي الأول بعائلة ذلك الطيف الذي بحث عنه كثيرًا.

المفاجأة الكبرى
تشككت العائلة في طلبي لقاءهم في البداية، ظنا منهم أنني أعمل لدى جهة أجنبية ترغب في الحصول على معلومات لأسباب غير صحفية، وهو هاجس مسيطر على جانب كبير من المصريين، ولكنني طمأنتهم ووافقوا في النهاية على طلبي، وهنا كانت المفاجأة الأكبر، فذلك الشخص الغامض الذي سعيت خلفه طوال سنوات لم يكن فقط المصري الوحيد على متن السفينة الأشهر في التاريخ، وإنما كان الناجي المصري والعربي الوحيد أيضًا. نعم حمد لم يغرق مع من غرقوا، وإنما كان ضمن القلة الناجية من الكارثة.

التقيت اثنين من أحفاد “حمد”، عمار، وسراج الدين، وكان أصغرهما تجاوز السبعين من عمره، وعايشوه قبل وفاته، ومن روايتيهما التي حملت بعض الاختلافات، تمكنت من جمع خيوط القصة، وحصلت على الصورة الوحيدة للجد الراحل، صورة شخصية التقطت قبيل وفاته، وتآكلت أطرافها بفعل الزمن، لكنني اعتبرتها إنجازًا كبيرًا، فها أنا ذا أرى “حمد”، الوسيم الغامض الذي لطالما بحث عنه الكثيرون، لكنني أنا وحدى توصلت إليه. وها أنا أمسك أول صورة له بين يدي.

ولأنها كانت النسخة الوحيدة، أخدت الصورة لنسخها وطباعتها في معمل طباعة صور قريب من منزل العائلة، وطبعت منها أكثر من نسخة بحرص شديد، وفوجئت بعامل المطبعة يقل لي، “تشبهين جدك كثيرًا، أشعر بأن نفس ملامح الرجل الذي بالصورة تقف أمامي، أو ربما كانت نفس الروح، سبحان الله على الشبه” ابتسمت ولم أصحح المعلومة، فقط ابتسمت وقلت “شبه بعض فعلاً.ً

نشرت القصة كاملة في صحيفة “المصري اليوم” كما رواها أفراد العائلة مع الصورة النادرة، في بدايات أغسطس الماضي، بعد 3 سنوات من بداية رحلة البحث، وكانت المفاجأة الأكبر لي أن أفراد العائلة الذين احتفظوا بتفاصيل القصة طوال هذه السنوات تعاملوا مع رواية الجد باعتبارها أسطورة أو واحدة من حواديت قبل النوم التي يرويها الأجداد، ومن كان مقتنعًا منهم بحدوثها لم يكترث كثيرًا لأهميتها، فضلًا عن أن الجد حمد لم يعلن تفاصيل القصة خارج نطاق العائلة، بل كان يُسكت من يتحدث عنها دون أن يعلموا سبب هذه الرغبة في التكتم.

الجانب الآخر
أما تفاصيل “قصة حمد” التي تمكنت من توثيقها وفقًا لرواية أفراد العائلة، فترجع إلى شهر أبريل عام 1912، عندما سافر “حمد حسب” على متن تيتانيك مع أصدقائه، “هنري وميرا هاربر”، حيث أصرّا أن يسافر معهما على السفينة ردًا لاستصافة “حمد” لهما في منزله، كلما جاءا لزيارة القاهرة، لأنه كان المرشد السياحي الخاص بهما، أو كما كان يُطلق عليه في ذلك الوقت “تُرجُمان”.

(بطاقة العمل (بزنس كارد) الخاصة بـ”حمد”)

سافر “حمد” على متن الدرجة الأولى كمرافق لـ “آل هاربر” وقضى أيام الإبحار معها، لا يتحدث أو يقترب من أي شخص آخر، ولا يرد حتى على الحسناوات اللاتي حاولن التحدث معه، ولهذا تم تسميته من قبلهن بـ”الغامض.” وفي يوم غرق السفينة، كان “حمد” يتجول في الأرجاء، حسب روايته لأفراد عائلته، وسمع بالصدفة مراقب السفينة وهو يقول أن الجبل الجليدي شقّ بدنها من المنتصف، وأنهم سيغرقون لا محالة، فأسرع إلى صديقيه، وأبلغهما بالخبر، فاستعدا وأحضرا الملابس التي سيحتاجون إليها في هذه الليلة الباردة، بالإضافة لكلبهما Sun، ونتيجة لذلك تمكن ثلاثتهم من استقلال قارب الإنقاذ رقم 3.

اضطر “حمد” لأن يحمل “هنري”، و”ميرا” على كتفيه ويلقي بهما في القارب، ثم قفز وقطع الحبل الذي يربطه بالسفينة، حتى يستطيعوا النجاة، في ظل تكالب الركاب المذعورين عليهم، حتى أن القارب سار في المحيط بنصف حمولته تقريبًا، وبذلك نجا حمد وأنقذ صديقيه من الغرق مع الجانب الأكبر من ركاب السفينة الذين انتبهوا للأمر لاحقًا.

رسالة بخط اليد
روت العائلة أيضًا أن “حمد” ظل مفقودًا ولم يعد لعائلته بعدة الحادث، وطوال ثلاثة سنوات، دون أن يعلم أحد أين هو، فهو لم يرد التحدث في هذا الأمر. ظنت العائلة أنه فقد الذاكرة لبعض الوقت، أو ربما تعرض لصدمة عصبية جراء الحادث ولذلك لم يرد معايشة التفاصيل مرة أخرى. لكنه المؤكد أنه كان في وعيه بعد إنقاذه ومرافقيه مباشرة، لأنه أرسل بطاقة بريدية بخط يده للعائلة بعد غرق السفينة بثلاثة أيام، لطمأنتهم على نجاته. حصلت على البطاقة بعد نشر تحقيقي الثاني عنه، وأنا لا أكاد أصدق نفسي، فها أنا الآن امتلك صورة شخصية وبطاقة بريدية بخط اليد للشخص الذي فشلت طوال سنوات في الحصول على وثيقة واحد تخصه.

(غلاف البطاقة البريدية)

أرسل “حمد” البطاقة البريدية في 18 أبريل 1912 (غرقت تيتانيك في 15 أبريل من العام نفسه) من نيويورك، وقال فيها مطمئنًا العائلة: “من حمد حسب، بعد السلام على الجميع، صغير مع كبير، أنا طيب بخير وعافية، ولم يكن عندكم مشغولية من جهتي، الست والخواجة بيهدوكم السلام.” وحملت البطاقة عنوان منزل العائلة القديم بحي الدرب الأحمر بالقاهرة.

لم تتضمن الرسالة تفاصيلًا عن الحادث كونه لم يكن بالشهرة التي هو عليها اليوم، أو لرغبته في عدم إثارة قلق أفراد العائلة.

(رسالة “حمد” بخط اليد لطمأنة عائلته بعد نجاته من غرق تيتانيك)

بعد نشر التحقيق أرسلت بريد إلكتروني إلى الموقع الرسمي لسفينة تيتانيك Enclopedia Titanica، في لندن، لأحقق وعدًا قطعته على نفسي قبل سنوات، سأجيب لهم على جميع الأسئلة التي لم يستطيعوا الحصول على إجاباتها، وشرحت وفوجئت بسرعة ردهم واهتمامهم بمعرفة ما حدث لراكبهم “حمد حسب” فطلبوا مني ترجمة التحقيق باللغة الإنجليزية، مع كتابة الأسماء باللغة العربية، ليتأكدوا من صحة الاسم المنشور على الموقع.

ترجمت التحقيق المنشور وأرسلته، كما سألني القائمين على إدارة الموقع وناقشوني في القصة نفسها، حيث كان لديهم شغف بمعرفة التفاصيل، وقالوا لي أنه من المذهل أنني استطعت الحصول على قصة راكب من ركاب تيتانيك غير مشهور في الشرق الأوسط، فهم يحاولون دائما الحصول على معلومات عن ركاب الشرق الأوسط، ولكنهم دائمًا ما كانوا يفشلون.

أنا وحمد
تم نشر ما كتبت باللغة الإنجليزية على الموقع الرسمي لتيتانيك، كما أنني أصبحت مرجعا لقصة “حمد حسب” تواصلت معي أيضًا الكاتبة الكندية من أصل سوري، “ليلى إلياس” مؤلفة كتاب The dream then the nightmare، الذي تحدثت فيه عن الركاب اللبنانين، الذين كانوا على متن تيتانيك، وقد طلبت ضم التحقيق إلى النسخة الجديدة للكتاب، لما تحمله من معلومات جديدة ومفيدة حسب ما أخبرتني.

لم تنتهي رحلتي مع “حمد” عند هذا الحد، فلم أكتف بالمعلومات التي قالها لي أحفاده ونشرتها بالتحقيق، ومازالت هناك العديد من الأسئلة التي لم يستطيعوا الإجابة عنها، فقررت أنا الإجابة بدلًا منهم في رواية ستصدر قريبًا، بعد بحث طويل ليس عن “حمد” فقط هذه المرة، بل عن بعض قصص ركاب تيتانيك اللبنانيين، لكي تضافر قصصهم سويًا، بعد أن سافروا على متنها محملين بأحلام وآمال في حياة كريمة، لكنهم كانوا أكثر الركاب عرضة للموت والقتل رميًا بالرصاص، حسبما علمت من قصصهم لاحقًا، بعدما سلبت منهم “السفينة المارد” كل شيء.

إلى ذلك تنتهي تفاصيل قصتي التي خضت في سبيلها رحلة طويلة، أرهقتني طوال أيام، وأرقتني ليال طويلة شاهدت وقرأت خلالها كل ما يمت للسفينة الغارقة وضحاياها بصلة، كنت أشعر بأن الصور تتحرك أمامي، وأن شبح تيتانيك أصبح يحوم حولي. انفض كل ذلك وأعود لمطالعة صور وأوراق حمد التي باتت بحوزتي، بعد أن أصبح اسمينا مرتبطين- بعد رحلة بحث شاقة- دون أن نلتقي يومًا، وابتسم.

المصدر: vice.com

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

ترك الرد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock