الاخبارعاجلمتفرقاتمميز

ذكرى ولادة سيـاسي سابق لعصره ….. الحبيب بورقيبة 3 أوت 1903

24 نيوز/ حـلمي سـاسي

3 أوت 1903، ذكرى ولادة الحبيب بورقيبة أول رئيس للجمهورية التونسية، حكم تونس ثلاثين سنة (1957-1987)، أطلقت عليه ألقاب كثيرة مثل: “المجاهد الأكبر” و”صانع الأمة” و”الزعـيم”.

قال عنه الكاتب الصافي سعيد صاحب كتاب “بورقيبة.. سيرة شبه محرمة”: هو “أكثر من رئيس وأكبر من عاهل بكثير، لقد جمع بين يديه دفعة واحدة سلطات الباي والمقيم العام الفرنسي”.
انقلب عليه رئيس وزرائه زين العابدين بن علي، وعزله بعد مرضه وكبر سنه، ووضعه قيد الإقامة الجبرية إلى أن وافته المنية.

سيرة حياته

ولد بورقيبة في 3 أوت 1903، بحي الطرابلسية من مدينة المنستير، ينحدر من عائلة متواضعة ماديًّا واجتماعيًّا و كان أصغر ثمانيه إخوة وأخوات، تلقـّى تعلـّمه الثـّانوي بالمعهد الصـّادقي فمعهد كارنو بتونس ثم توجه إلى باريس سنة 1924 بعد حصوله على الباكالوريا وانخرط في كلية الحقوق والعلوم السياسية وأحرز على الإجازة في سنة 1927 وعاد إلى تونس ليشتغل بالمحاماة.

تزوج للمرة الاولى من الفرنسية ماتيلد وهي أرملة أحد الضباط الفرنسيين الذين ماتوا في الحرب العالمية الأولى، ثم تزوج للمرّة الثانية من وسيلة بن عمار وذلك في 12 أفريل عام 1962 ( وهي الثائرة التونسية ابنة مدينة الباجة التي قادت عددا من عمليات النضال الوطني ضد الاستعمار، وألقي القبض عليها وسجنت عام 1948)، قبل أن يطلقها عـام 1986 متهما إياها بتجاوز الحدود والتدخل الفظ في شئون الدولة.

التوجه الفكري والإقتصادي


لم يكن لبورقيبة توجه فكري أو اقتصادي واضح، كان دائما يعارض الفكر الشيوعـي يقول لوزراء التخطيط في ذلك الوقت” إتبعوا أي مخطط يتماشى وامكانيات الشعب، إلا المخطط الشيوعـي” اتبع في أول الستينيات النهج الاشتراكي وخاصة في تدبير القطاع الفلاحي” التعاضدية”، ولكنها فشلت فغيَّره إلى الليبرالية اقتصاديا والإستمرارية المطلقة سياسيا.
يصفه أتباعه برائد التحديث الاجتماعي في تونس، لكن معارضيه يصفونه بمؤسس العلمانية التونسية، ورائد سياسة التغريب.

التجربة السياسية:
دخل العمل السياسي عام 1933 من بوابة الحزب الحرّ الدستوري التونسي الذي كان يقوده عبد العزيز الثعالبي، لكنه سرعان ما تركه وأسس مع آخرين: الحزب الحر الدستوري الجديد في 2 مارس 1934.

اعتقل مرات عديدة من طرف سلطات الاستعمار الفرنسي بسبب نضاله من أجل التحرر، فهرب إلى مصر وعاد إلى تونس في 7 أفريل 1943، ثم في 16 مارس 1945.
ومن أجل التعريف بقضية تونس سافر إلى بلدان عديدة كمصر والهند وإندونيسيا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا التي قدم لها عام 1950 مشروع إصلاحات للحكومة الفرنسية.
أَعلن في 2 جانفي 1952 عدم ثقة التونسيين في فرنسا، واندلعت بعد ذلك الثورة المسلحة في 18 جانفي 1952، وهو ما ردت عليه فرنسا باعتقاله مع عدد من رفاقه في الحزب، وبعد حوالي ثلاث سنوات قبلت الجلوس معهم على طاولة المفاوضات.
عاد إلى تونس في 1 جوان 1955، ولقي استقبالا شعبيا كبيرا.

وقّع مع فرنسا في 3 جويلية 1954، معاهدة تمنح تونس استقلالها الداخلي وإعلان الدولة التونسية، وكان قد عارض رفيقه صالح بن يوسف (الأمين العام للحزب الحر الدستوري الجديد) المعاهدة، ووصفها بأنها رجوع إلى الوراء، مما تسبب في انشقاق الحزب إلى فريقين ودخولهما في صراع سياسي شرس.

على المستوى الداخلي
استطاع بورقيبة إقناع أغلبية التونسيين بالمعاهدة التي تلاها توقيع وثيقة الاستقلال التام في 20 مارس 1956، وبعد ثلاثة أشهر ألغى الملكية بخلع الملك محمد الأمين باي وإعلان تونس دولة جمهورية في 25 جويلية 1957، واختير أول رئيس لها.
اتُهم بسعيه لتصفية معارضيه وخصومه السياسيين بمن فيهم رفاق الكفاح من أجل الاستقلال، وخاصة ممن عرفوا بـ”اليوسفيين”، أي أتباع صالح بن يوسف الذي اغتيل في فرانكفورت بألمانيا في أوت 1961.
جمّد بورقيبة نشاط الحزب الشيوعي عام 1962، وأقر نظام الحزب الواحد وتحالف مع الاتحاد العام التونسي، وقام بتعديل دستوري في 27 ديسمبر 1974 سمح له برئاسة الدولة مدى الحياة.

على المستوى الخارجي
أعلن بوضوح تحالفه مع الغرب، ورحّب بالسياسة الأميركية في المنطقة، ولم يدخل في نزاع مع الاتحاد السوفياتي لكنه لم يقم معه علاقات اقتصادية أو عسكرية.

عرفت علاقته بالمعسكر القومي بقيادة جمال عبد الناصر توترات مستمرة بسبب عدد من مواقفه، خاصة بعد دعوته للفلسطينيين في خطابه الشهير بأريحا في 3 مارس 1965 بقبول قرار التقسيم مع مواصلة الكفاح، واعتماد سياسة خذ وطالب اقتداءا بالتجربة التونسية في التحرر، لكن عبد الناصر أجهز على المقترح في خطاب رّد فيه على بورقيبة يوم 1 ماي 1965، رغم أنه كان متمشيا معه من البداية من حيث المبدأ.

 

بورقيبة في التاريخ

لم يكن بورقيبة من صنف السياسيين الذين يستغلون السلطة من أجل الثورة، ولقد منع على نفسه وعلى ابنه الوحيد الاقتراب من أملاك الدولة، وهو ما جعله قريبًا من الشعب رغم وصفه بالمستبد سياسيا، فقد كان يعيش فقط من أجل الحكم.

أظهر شراسة شديدة في مواجهة خصومة السياسيين حتى لو كانوا رفاقه في الكفاح، وطارد كل من عُرِفُوا باليوسفيين الذين وقفوا مع الكاتب العام للحزب صالح بن يوسف.
استغل محاولة الانقلاب التي استهدفته عام 1961م، ليجمد الحزب الشيوعي، واستعان في سياسته بالاتحاد العام التونسي للشغل رغم عديد الأحداث التي وقعت في السبعينات والثمانينات.

على صعيد السياسة الخارجية، تحالف مع الغرب     و كان من أوائل السياسيين العرب الذين رحبوا بالسياسة الأمريكية في المنطقة، ففي خطاب ألقاه في شهر ماي 1968 قال “إننا نعتبر أن نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية يشكل عنصر استقرار يحمي العالم من نوع من الأنظمة الاستبدادية، رفض إقامة مع علاقات اقتصادية وعسكرية مع الاتحاد السوفييتي، معتبرا أن دخول خرطوشه واحدة من هذا المعسكر قادرة على أن تفتح الباب واسعا أمام الخبراء والأفكار “الهدامة” حسب تعبيره، بل أنه تنبأ أكثر من مرة في خطبه الرسمية بأن المعسكر الاشتراكي لن يستمر طويلا في الحياة، وان سقوطه أمر محتم.

 

بنى علاقات جيدة مع الأنظمة الملكية والخليجية وشهدت علاقاته مع عبدالناصر توترات مستمرة، حيث اختلف معه في الخطاب والأيديولوجيا ومواقف من قضايا جوهرية، مثل: الوحدة والقومية وفلسطين، ذات مرة قال ” لو خيرت بين الجامعة العربية والحلف الأطلسي لاخترت هذا الأخير”.
كما كان حذرًا من حزب البعث، وحال دون امتداداته التنظيمية داخل تونس، ثم تجدد صراعه مع القذافي ، ورأى فيه شابًّا “مُتَهوِّرًا” في السياسة، وكان يخشى أن تُطَوَّق تونس بتحالف ليبي-جزائري، لهذا وثق علاقاته مع فرنسا والولايات المتحدة، وعندما تسربت مجموعة معارضة مسلحة ذات توجه عروبي، وسيطرت على مدينة “قفصة” في جانفي 1980، استنجد بباريس وواشنطن اللذين قدما له مساعدات عسكرية ولوجستيكية، مكَّنَت النظام التونسي من إنهاء التمرّد بأقل التكاليف.

طيلة حكمه استعان بورقيبة ببعض الوزراء اعتبرهم سنده على غرار: الباهي الأدغم الهادي نويرة محمد مزالي أحمد بن صالح رشيد صفر وغيرهم …

وفاته
وضع بن علي قيد بورقيبة رهن الإقامة الجبرية في مسقط رأسه بالمنستير، وحجب أخباره عن الإعلام إلى أن وافته المنية يوم 6 أفريل 2000، ومنع المخلوع انذاك الإعلام الأجنبي والتلفزيون التونسي من نقل أخبار عن جنازته أو عرض فيلم عن حياته، كما منع بعد ذلك الاحتفال بذكرى وفاته.

ماذا بقـي من بورقيبة

وصفته القناة الفرنسية الخامسة عند وفاته بأنه آخر عمالقة سياسي القرن العشرين ، وكتب عنه المؤرخون و السياسيون آراءا مختلفة لكن الجميع يشهد له بانجازات ثورية في عصره وخاصة أنه كان يمتلكا عقلا سياسيا سابقا لعصره.

وبقراءة موضوعية غير متوترة، يبقى لكل لكل وطن رموزه و يبقى الحبيب بورقيبة أحد رموز تونس في التاريخ المعاصر، والجدل حول شخصيته وسياسته تأكيد على قيمته على الأقل الفكرية.

قال بورقيبة
“لا بد لكل الشعب أن يقوم ضد المعتدي ….. نحن في تونس لا نعتدي على الناس، لكن من يعتدي علينا، سيجد رجال أشدّاء من عسكريين و مدنيين و شبّان ليردوا المعتدي على أعقابه”

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

ترك الرد

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock