الاخبارعاجلمتفرقاتمميز

قلعة سنان/ الكاف: مائدة يوغرطة ضمن لائحة التراث العالمي

انتظمت بمائدة يوغرطة بقلعة سنان من ولاية الكاف السبت، تظاهرة ثقافية فنية سياحية أشرف عليها كل من وزير الشؤون الثقافية محمد زين العابدين، وزيرة السياحة والصناعات التقليدية السيدة سلمى اللومي الرقيق، ووزيرة شؤون الشباب والرياضة ماجدولين الشارني، إضافة إلى سفير تونس باليونسكو.

وتسعى الأطراف المتداخلة في تنظيم هذه التظاهرة، إلى التحسيس والتعريف بمائدة يوغرطة قصد إدراجها ضمن التراث العالمي استنادا إلى ملف علمي، كما أن الهدف من هذا المسعى هو خلق ديناميكية جديدة للتنمية الجهوية انطلاقا من الموروث التراثي والحضاري الذي تمتاز به المنطقة، والأهم من كل ذلك هو أن الموقع هذا المنسي سيتحول إلى نقطة مضيئة للتعريف بتونس عامة وجهة الكاف وقلعة سنان خاصة قصد زيارتها وتنشيط سياحتها.

ولكن دعونا نتعرّف على مائدة يوغرطة.. تلك القلعة التاريخية المنسية


تقع “مائدة يوغرطة” في مدينة “قلعة السنان” على الحدود التونسيّة الجزائريّة، مختفية عن الأنظار بين جبال ولاية الكاف الشامخة شمال غربي البلاد التونسية.

وقلعة سنان هي تلك البلدة الهادئة التي تربض تحت جبل مستدير في شكل مائدة، ويروي أنها كانت في سالف الأزمان حصنا ارتبط بالقائد البربري يوغرطة سميت على إسمه، تعتبر اليوم من المعالم التاريخية للبلاد التونسية التي يروق للزائر أن يحل بها، لما يحمله اسمها من تاريخ مجيد رغم أنه لا يكاد يذكر لها اسم في الميدان السياحي، خاصة وهي تفتقر لأبسط المرافق العصرية التي تحث الزائر والسائح على المكوث بها.

و المائدة أو”الميدة” كما يطلقون عليها باللغة المحلية هي صخرة ضخمة تشبه السفح الجبلي على ارتفاع أكثر من 1271 مترًا عن سطح الأرض، ومساحتها تمتد لـ 80 هكتارًا (800 ألف متر مربع)، وتأتي على شكل طاولة، وهو ما جعل سكان المنطقة الأوائل يطلقون عليها تلك التسمية، ورغم أن أديمها يتكون من حجارة ملساء أفرزتها الطبيعة على مئات السنين فان التربة الصالحة تعلوها حيث نجد النباتات والحشائش الصالحة للمرعى نابتة على السطح تتوسطها مسابح طبيعية لا تنضب مياهها على مدار السنة بحكم تساقط الأمطار طيلة السنة.

ارتباط تسمية المائدة بالقائد البربري يوغرطة

يوغرطة (أو كبير القوم باللغة الأمازيغية)، هو ملك نوميديا ولد عام 160 قبل الميلاد بسيرتا (مدينة قسنطينة الجزائرية حاليا)، وهو قائد بربري حربي شهير عرف بمقاومته وقيادته لأحد أشهر الحروب ضد الجمهورية الرومانية.

تقول الذاكرة التاريخية، أن يوغرطة حاول تحدى الرومان برغبته في تأسيس مملكة نوميدية قوية، وحرض الأهالي على المقاومة، وتحصن في حربه بالمائدة مدة عام كامل تكبدت فيها روما خسائر كبيرة في محاولتها لتسلق الجبل وكسر دفاع يوغرطة وجيشة.

إلا أن الأخير تعرض للخيانة من قبل أبي زوجته بوكوس وفي روايات أخرى يقال إن جنديًّا رومانيًّا كان يتجول حول المائدة ووجد فلًةٌ بين الصخور تمكن بها من الصعود إلى السطح وأعلم القائد غايوس ماريوس القائد الروماني الشهير الذي حاصر يوغرطة طول هذه المدة.

وكانت النتيجة في الأخير إلقاء القبض على يوغرطة وقتله مع ابنيه، لتبقى الصخرة شاهدا على العصر تروي نضال قائد شجاع أربك الرومان، فكُرم من أبناء شعبه بتسمية المائدة باسمه.

مائدة يوغرطة وقلعة سنـان تاريخ مثير 

إضافة إلى قصة القائد يوغرطة، فقد ارتبطت المائدة بتاريخ مثير وروايات متضاربة، حيث يروى أنه هناك علامات موجودة إلى الآن لحافري حصان وضربة سيف تعود للقائد عبدالله بن جعفر في بداية الفتح الإسلامي لتونس عن طريق العبادلة السبعة.
كما أن هناك رويات أخرى تقول أن البربر قد احتموا بالمائدة من الفاتحين المسلمين حتى اضطر موسى بن نصير لأن يخصص لهم جيشا لمحاصرتهم، كما ارتبطت بالمكان قصص تقول أن “المائدة” أصبحت ملجأ لكل الثوار، وقد ذكرها ابن خلدون في تاريخه لأن والده احتمى بها مع أمير حفصي في القرن الثالث عشر حيث بايعته فوقها قبيلة «أبو الليل» ومن هناك استعاد حكم بني حفص.
كما يقال إن دعاة الدولة الشابية قد لجأوا إليها في حماية قبيلة «الحنانشة» ذات النفوذ الواسع هناك، ثم نجد بعد ذلك أن حسين بن علي مؤسس الدولة الحسينية قد لجأ إليها قريبا من أخواله في قبلية «شارن».

ويروي حفاظ القصص الشعبية أن صالح باي قدم من الجزائر لمحاصرة سكان الجهة الذين تحصنوا بالمائدة، وبعد مرور أشهر على الحصار غير المجدي، أخذوا كلبة سمينة ورموا بها إليه لكي يدرك أن كلابهم رغم الحصار سمينة وأنهم في حالة رخاء فلا أمل له في إخضاعهم فانصرف عنهم.

لكن من الرويات المؤكدة أن “مائدة يوغرطة” قد استوطن بها عديد القبائل منها الجراودة والفرائسة والهوايشية والقصورية والعساكرية مكونين من 450 عائلة يطلق عليها اليوم اسم “القلاعة“.

إذن مائدة يوغرطة كما نلاحظ مكان مليئ بالرمزية التاريخية، ومعلم هام سيبقى شاهدا على معظم الحضارات التاريخية منذ العصر الحجري مرورًا بالعهد الروماني ثم البيزنطي فالعربي الإسلامي وحتى الاحتلال العثماني والفرنسي، وكان من الأجدى على وزارة السياحة أن تستفيق من سباتها العميق وتفكر في تنويع منتوجاتها السياحية التي تمر حتما عبر استغلال مثل هذا الأثر المنسي وغيره، في محاولة لبعث قطاع جديد يرتكز على السياحة الثقافية البديلـة.

وكما نرى، أنه رُغم مرور الزمن فمائدة يوغرطة ظلت شامخة وصامدة تَحتضنُ بين ذراعيها سحر المكان ويفوح منها عبق التاريخ الممزوج بالعزة والكرامة والعراقة، ولعله جاء اليوم الذي يجب أن يأخذ فيه هذا المعلم مكانته ويصنف على لائحة التراث العالمي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

ترك الرد

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock