الاخبارسياحةعاجل

كمال بن سالم … تونسي من دوز أنشأ مزرعة للجمال في سويسرا

لن يخطر ببال أحد و هو يتجول في الأراضي السويسرية الباردة التي لا تمت بصلة للبيئة الصحراوية أن يجد نفسه على مساحة خمسين ألف متر مربع بين الإبل و الجمال ليعيش لحظات فريدة من نوعها تجعله يدخل هذا العالم الأشبه بالحلم بالنسبة له.

كمال بن سالم، ابن بوابة الصحراء دوز الذي هاجر منذ سنوات لسويسرا، عشقه لحياة البدو و المرازيق جعله يفكر في بعث مشروع قد يكون تجسيده على أرض الواقع بمثابة الحلم الذي لن يتحقق، و لكن بن سالم تحدى و جعل المستحيل ممكنا و أنشأ مزرعة بن سالم للجِمال، التي لم تكن كأي مزرعة حيوانات أخرى، فخلق بيئة صحراوية بدوية تراثية من دون الصحراء، ولكن هاته البيئة لم تكن كمثيلاتها فقد جعلها تتلاقح مع الواقع الأوروبي وتجذب الأوروبيين إلى السياحة الصحراوية.

يقول بن سالم: ” أنا بدوي عربي تونسي مرزوقي من مواليد العام 1977 بدوز، كان لديَّ هناك مكتب للسياحة الصحراوية، وكانت وظيفتنا استقبال السيّاح الأجانب ونقلهم من جزيرة «جربة» ومرافقتهم إنطلاقًا من دوز في جولات صحراوية يتعرفون خلالها على بيئة الصحراء وبهاء كثبانها الرملية ويقتربون فيها من طبيعة أهلها البدو وما فيها من كرمٍ وسماحة، وفي عام 1998 تعرفت على سائحة سويسرية ونشأت بيننا علاقة حب تكللت بالزواج، فانتقلتُ في العام 2000 للعيش معها في سويسرا، وبما أن موسم السياحة الصحراوية ينحصر بين أسهر أكتوبر ومارس من كل سنة فقد تركت مكتبي يعمل هناك وكانت الفكرة أن أذهب خلال هذه الأشهر لأقود الرحلات داخل الصحراء، بينما أقوم خلال الأشهر الباقية، من هنا في سويسرا، بتحضير الرحلات للموسم القادم وتنسيقها مع مكاتب السياحة في البلد مستعينًا بزوجتي ومعرفتي باللغة الفرنسية حتى تمكّني من الألمانية، لكن الأقدار شاءت أن تنكمش السياحة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ثمّ كادت أن تنعدم بعد غزو العراق في العام 2003، ففرضت علينا الظّروف أن نبحث عن اتجاهات أخرى. قلنا: “إذا كان السائحون لا يستطيعون الذهاب إلينا، فلنأتِ نحن إليهم.”، ومن هنا نشأت فكرة المزرعة فأقمناها في العام 2004 في كانتون شافهاوزن وكانت البداية بخمسة جمال، وفي العام 2009 انتقلنا بها إلى كانتون زيورخ، قرب مضمار الخيل في ديلزدورف، ثم في العام 2011 إلى هنا قرب المطار الدولي، وقد أصبح لدينا الآن 23 جملاً وناقة معظمها تربيتنا الخاصة، ولكننا للأسف لم نستطع جلب جمالٍ عربية بسبب القيود الموضوعة على الإستيراد».

كمال بن سالم يقدم عديد الخدمات في المزرعة وعن أبرز ما يلقاه الزائر يقول : «نقدم معلومات وافرة للزائرين عن هذا الحيوان وطبيعته مبنية على خبرة أجيال، فجدّي كان لديه جِمال، ووالدي الذي يبلغ من العمر الآن 74 عامًا لديه جمال وعاش كل عمره معها، كما نقدم فرصة للصغار والكبار ليجرّبوا الركوب عليها في جولة تمتد لعشر دقائق، نبيع حليب النوق الذي يتميز بكونه صحيًّا أكثر من حليب البقر ويشكل بديلاً لمن يعانون من حساسية عند شرب الأخير، نقدم المأكولات الشرقية العربية للمجموعات بناءً على طلب مُسبق، حيث لدينا مطبخ خاص داخل المزرعة، وعند الضرورة، أي حينما يكون الطلب كبيراً، نتعاون مع مطعمٍ عربي، وقد بلغ الطلب ذات مرة حد خمس مائة شخص، فلبيناه على أحسن ما يرام، وكل ذلك يجري طبعًا داخل خيم مزينة بألوان وأشكال التراث البدوي؛ ونقدّم النقش بالحنّاء، وأحيانًا وصلاتٍ من الرقص الشرقي، إذا طلب أصحاب الدعوة ذلك مُسبقًا».

 

على صفحة المزرعة في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» يتلقى بن سالم الكثير من ردود أفعال الزائرين وإشادتهم بماعاشوه من استمتاع وما لقوه من حفاوة وخدمات أثناء الزيارة ويقدم بعضهم مقترحات ويعبّر الآخر عن أمنيات، يتعامل معها بن سالم وفق حدود الممكن والواقع.
ويضيف بن سالم: «بالإضافة إلى كل ما ذكرت نحن نقوم بعديد المشاركات الثقافية و الإجتماعية والمناسبات العامة، حيث شاركنا في مهرجان الربيع التراثي السنوي في زيورخ (Sächsi Lüüte) الذي مثلنا فيه تونس عدة مرات من خلال مشاركاتنا مع أطفال تونسيين في الموكب المخصص للأطفال، وكذلك شاركنا في حملة التبرعات (jede Rappen zählt) التي تنظمها القناة الثالثة في الراديو العمومي السويسري سنويًّا لصالح موضوع هام في العالم، وكانت مشاركتنا تلك في حملة العام 2015 التي كانت مخصصة لصالح الشبيبة حيثما تعاني من ضائقةٍ في العالم، كما إننا نسعى دائمًا لإقامة سباقات جِمال، هنا في سويسرا، أو في الدول الأوروبية الأخرى من خلال الإتحاد الأوروبي لسباقات الجمال، الذي أسسناه قبل عامين ويضم الآن أعضاء من تسع دول أوروبية وأحظى حاليًّا بشرف رئاسته، قبل ذلك نظّمتُ سباقاتٍ في ألمانيا وفرنسا وشاركتُ في فعاليات وسباقات أقيمت في العديد من الدول العربية».
في السياق كشف بن سالم أنه تقدّم من المعنيين في هذه الدول باقتراحات لتنشيط الإهتمام بالجمال وسباقاتها في أوروبا من خلال الإتحاد الذي يرأسه، وقال: «كنت أتوقع أن تلقى الجمال اهتمامًا ودعمًا كما تلقاه الخيول، لكن للأسف لم يلتفت لذلك أحد».

تجدر الإشارة إلى أن «مزرعة بن سالم» تنظم خلال كل صيف، ومنذ العام 2011، مهرجانًا سنويًّا للجِمال يحضره المئات من الزوار الذين يستمتعون على مدى يومين متتاليين بفقراته المتنوعة. الدورة الثامنة من المهرجان أقيمت هذا العام في يومي 25 و26 أوت الماضي وتصمنت فقراتٍ من التراث التونسي قُدّمت بدعمٍ من وزارة السياحة التونسية. بن سالم دعا أبناء الجالية العربية لزيارة المزرعة التي “لا تفرض رسم دخول على الزائرين”. وأعرب عن تمنياته بمشاركتهم خلال الصيف القادم في المهرجان السنوي الذي بلغ زواره هذا العام أكثر من 1500 شخص.

كمال بن سالم مثال للمهاجر التونسي الرمز، حيث أنه استطاع أن يتغلب على واقعه بعد أن اشتغل في قطاعاتٍ مختلفة كقطاعي الزراعة والبناء، خصوصًا في فترة تراجع السياحة، ولكنه آمن بنفسه واجتهد كثيراً و تمكن أن يتجاوز عقبة اللغة فنجح ووصل إلى الحلم الذي كان يسعى لتجسيده، و كان دائما يردد:

 «عندما يريد الانسان العيش في هذه البلاد مثل أهلها، ما عليه سوى أن يكون واحداً منهم، وأنا جئت إلى هذه البلاد لأكون واحداً من أهلها، لا لأكون عالةً عليهم»..

وهنا فقط يكمن دون شك، سر نجاح أي مهاجر.

المصدر : swissinfo

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

ترك الرد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock