حول العالمصحة

كيف كاد عدم تناولي للقهوة أن يدمر مسيرتي المهنية؟

لم أتناول فنجان كامل من القهوة طيلة حياتي، سوف تنتقدني، أنا أعلم ذلك

كنت جالسًا في أحد الأيام المشمسة على مقهى في الشارع، وبدأت رائحة قهوة إيطالية “إسبرسو” تتصاعد، وأنا عاشق لتلك الجاذبية القادمة من فنجان القهوة.

وفي الواقع أنا لست فقط لا أحب طعم القهوة، بل أكره أن أتذوقها، ولهذا السبب، لم أتناول فنجان من القهوة في حياتي كلها، سوف تنتقدني، أنا أعرف!

معظم الناس لديهم صعوبة في الاعتقاد بأنني لا أشرب القهوة، فعلى ما يبدو، أن كارهي القهوة، سلالة نادرة في الوقت الحاضر، فبداية من الصباح، يكون كوب من حبوب الكافيين أمر يتوازى مع حياتنا المهنية، يقولون إنه يجب أن أتناول واحد على الأقل، ولكن بصدق، لم أتناول هذا الكوب.

حتى وقت قريب، لم أكن حتى أتوقف لأسأل نفسي عما إذا كان غياب القهوة شيء مهم جدًا في حياة الكثير من الناس وهو ما يخلق فراغ كبير بالنسبة لي، ولكن بالنظر إلى الوراء قليلًا، أعترف الآن بثلاث لحظات محددة أثبتت لي أن الامتناع عن تناول القهوة له تداعياته.

اللحظة الأولى وقعت عندما كنت في بدايات مسيرتي ككاتب، حيث كنت أقوم بالرد على البريد الإلكتروني، وكنت أقوم بالمراسلات الإلكترونية، مع بعض الدعوات المملة، وهكذا استمرت الاتصالات لدي لعدة أسابيع، وأخيرًا، حصلت على إخطار في صندوقي البريدي، كان عنوانه هو: “القهوة؟”

كنت بصدد إجراء مقابلة عمل على مقهى، وكنت مصدوم، ومتحمس في نفس الوقت، وتوقعت فشل كبير، ولكني وافقت بحماس دون أن أذكر رفضي للقهوة، وتوقعت أن يكون بالمقهى مشروبات أخرى، بخلاف القهوة.

أنا أعرف أن عدم شرب القهوة لن يجعلني “غير قابل” للحياة تمامًا، ولكنه أثار سؤالًا خطيرًا حول ما إذا كان بإمكاني المشاركة فيما يمكن اعتباره عنصرًا هامًا في تقاليد المكتب.

في الصباح، كنت أشعر بالتوتر كما هو معتاد في الدقائق الأخيرة قبل اللقاء الأول، إلا أن الأمر كان أسوأ حيث أن هذا الشخص سوف يقوم بدفع راتبي، وارتديت أفضل ملابسي، واستمعت للأغنية المفضلة لدي، واتخذت طريقي إلى المقهى، ووصلت بثقة، وتبادلت الابتسام مع مسؤولة التوظيف، التي من المحتمل أن تغير حياتي، واخترت زجاجة مياه!

تغيرت المقابلة على الفور من مفتوحة وودية إلى قاسية ومتوترة، وسألتني إذا أردت أي شيء آخر؛ قلت لها إنني ببساطة أشعر بالعطش من المشوار الطويل، ولكن في الواقع أنا لا أشرب القهوة، ورغم أن الانطباع الأول كان جيدا، إلا أنه لم يكن جيد بما فيه الكفاية لجعلي أعمل، وبدا واضحًا أن رائحة تحميص القهوة، أثرت في الحكم علي، وشعرت أنها غير مرتاحة لدعوتي إلى مقهى، مع وجود خيارات في القائمة لن تكفي لذوقي!

وقالت بصوت عال: “أمر طيب”، ولكن وجهها كان يقول أكثر من ذلك، مثل “أنت أحمق كبير”. كنت أعرف أن عدم شرب القهوة لا يجعلني “غير قابل للحياة” تمامًا، ولكنه هذا الأمر أثار سؤالًا خطيرًا حول ما إذا كان بإمكاني المشاركة فيما تعتبروه عنصرًا هامًا في تقاليد المكتب، وبقدر ما حاولت أن تبدو وكأنها شخص يمكن أن يتجاهل فكرة تناول المشروبات الساخنة، إلا أنه كان من الصعب اجتياز هذا الحاجز الموجود بسبب عدم حب “الموكا”.

نشأت مشكلتي التالية بسبب محنة “مناهضة القهوة” بعد أن التحقت بوظيفة يمكن أن تعمل على ترسيخ وضعي الاجتماعي في المكتب، ولكن على ما يبدو، فإن الأمر ليس سهلًا دون مشروب القهوة – على الأقل في تجربتي التي وقعت خلال الشهر الثالث في أول وظيفة لي في مدينة نيويورك – حيث كنت في حالة عمل معتادة على مكتبي، كنت أقوم ببعض الأمور على شاشتي، ونظرت إلى أعلى جهاز الكمبيوتر المحمول، ولاحظت فجأة أن الجميع قد غادر، وكانت الثالثة مساءًا، هل لدينا راحة بعد الظهر؟، هل رحل الجميع دون أن ينبهوني؟

لم يكن زملائي في العمل لا يحبونني كشخص، ولكنهم لا يريدون تناول القهوة مع شخص لا يشرب القهوة بنفس الطريقة، إن الكثير من الناس لا يريدون شرب اثنين من المشروبات الكحولية، مع شخص يشرب سفن آب.

بعد حوالي 15 دقيقة، سمعت ضحكات واستمعت إلى خطواتهم، وقلت لزملائي في محاولة لتبادل الحديث معهم، “يا رفاق، يرجى أن تتذكروا أن تدعوني المرة القادمة” مع ابتسامة، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، لأنه سرعان ما اكتشفت من أول صديق لي في العمل أن هذا الوقت هو وقت القهوة، وكم من مرة دعوت نفسك إلى شئ يبدو أنه محبط.

وعندما استجمعت شجاعتي لطرح سؤالي على هذا الصديق، بأنه لماذا لم تتم دعوتي على القهوة، لشرب الكوكتيل مثلًا أو أي شئ آخر، فكان رده أن القهوة هي مشروب النهار، والثقافة الاجتماعية المحيطة بالمكتب هي شرب القهوة، فلم يكن زملائي في العمل لا يحبونني كشخص، ولكنهم فقط لا يريدون الحصول على القهوة مع شخص لا يشرب القهوة بنفس الطريقة، فكثير من الناس لا تريد شرب اثنين من المشروبات الكحولية مع شخص يشرب سفن آب!

بغض النظر عن مدى صعوبة ذلك، حاولت أن أعبر عن عدد قليل من السخط، حين يشرب الآخرون القهوة من حولي، ولكن لا أحد يهتم بمشاعري الفعلية، فالشخص الذي يدمن القهوة قد يشعر بالضيق في مثل هذه الحالة، وفي كل مرة، كان يذكر أحدهم الفوائد الصحية للقهوة، وكيف أنني شخص غريب لأنني لا أشربها، ولكنني في الواقع لا أحب طعمها، وهو ما جعلني أفشل في التواصل مع زملائي في العمل، فالقهوة باتت أكبر حجمًا من شخصيتي (اطمئن، لدي العديد من الرذائل).

وبغض النظر عن كوني خارج تلك اللحظات اليومية من الترابط، فإن ما حدث لي جعلني أدخل في جلسات عصف ذهني عارضة، والتي قادتني إلى اللحظة الثالثة، فمع عدم شرب القهوة كانت هناك الفرص الضائعة، ففي عالم التحرير، والحوارات المبدعة، والقصص الصحفية الرائعة النادرة، كانت جميعها تتم على أكواب من القهوة.

وفي يوم من الأيام بالمكتب، سمعت (محادثة جيدة) بين اثنين من زملاء العمل في فريق التحرير، حيث تناولت تفاصيل فكرة رائعة للعدد التالي؛ يمكنك ربما التخمين، كانت الفكرة تدور على التأثير المبدع للكافيين، وكان علي أن أقوم بالمداخلة، وإبداء الرأي، ولكن أدركت أنه فات الآوان، فلم أكن موجودا عندما ولدت الفكرة، لذلك أود أن أقول القليل حولها.

وفي تلك اللحظة، قررت أن أجبر نفسي على طعم القهوة، والانتقال إلى لوس انجلوس، أو تركيز جهودي في طرق أخرى، وفيما يتعلق بهذا الأمر، أدركت أن كل ما يجب القيام به هو العثور على وسيلة أخرى لمواجهة هذا العيب.

فالصداقة والمعارف تقع في فئات المصالح المشتركة، فمحبي القهوة اللاتيه، يتجمعون حول القهوة، وقضاء ساعة سعيدة، ومحبي مشاهدة التلفزيون، يعقدون الدردشة حول أحدث الحلقات من برنامجهم المفضل؛ فالترابط هو مجرد وجود أمر متبادل أو عادة تعطيك ذريعة للاجتماع، أو شيء للحديث عنه، وتوضيح رؤيتك حول ذوقك في الأشياء.

نيكولا كارادوري

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

ترك الرد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock