ألعاب فرديةرياضةعاجل

من ذاكرة الرياضة التونسية : الملاكمة في تونس نظام اجتماعي بامتياز

24 نيوز/ حـلمي سـاسي

شكلت رياضة الملاكمة في تونس وعلى مدى عقود طويلة منصة للتوحد بين المسلمين والمسيحيين واليهود، وتاريخ الملاكمة في تونس سلط الضوء على نمو الشعور بالهوية الوطنية في المجتمع التونسي المتعدّد الأديان خلال القرن الماضي.

هذا التناغم الطائفي، أفرز منذ بداية القرن إلى يومنا هذا، تألق أكبر الملاكمين التونسيين الذين رسخوا في الذاكرة، فمن مسعود غيث شُهر (باقندا) رائد الملاكمة التونسية في أوائل القرن وأول ملاكم دَوّن إسمه في سجل المنافسات، إلى حسن الكرّاش بائع الكرشة الذي تحولت قوته إلى أسطورة ( لعب أول مباراة له في 31 جويلية 1913)، مروراً بالأبطال التونسيين من أصول يهودية كالبطل العالمي والرمز فيكتور يونغ بيريز الذي أثـّر في أجيال بأكملها والذي سجل إسمه بأحرف من ذهب في تاريخ الملاكمة العالمية كأصغر بطل عالمي ليومنـا هذا في وزن الريشة، وسيمون بلعيش الملقب بأمير الحفصية الذي قال أنه يفتخر ببلده تونس ويكفيه شرفا أنه رفع علمها في أكثر من دولة، والبطل فليكس برامي، أو الأبطال التونسيين من أصول مالطية كقراسيان تونا بطل أوروبا الذي لعب مع فنان الملاكمة العالمية كارلوس مانزن، أو نجومنا الكبار امثل صادق عمران الملقب بـ”الملاكم ذو اليد الحديدية”، هادي تيجاني، بيل دجو، رزقي قيزاني، رزقي بن صالح، بشير الجلاصي، صادق البحري، طاهر بلحسن، وصولاً إلى الأبطال الحاليين.

وتعتبر فترة الثلاثينات والأربعينات والخمسينات، الفترة الأوج في عمر الملاكمة التونسية، هذا العهد الذهبي شهد تعايش الملاكمين المسلمين واليهود والمسيحيين وخلق أرضية تنافسية سلمية ونموذجية ونادرة، عكست نبل هذه الرياضة في توحيد الطوائف في قاعات الملاكمة وحلبات النزال.

وبرغم اختلاف المصالح والأديان داخل المجتمع التونسي ورغم الشجارات والتنافس، فإن الملاكمين كانوا يُظهرِون أنهم قادرون على التعايش معـا داخل الحلبة وخارجها، وكانت أكبر الأحياء وال( حوم ) كالحفصية و باب الخضراء وسيدي عبد السلام والبورطال وباب سويقة وفرنس فيل وغيرها، تجمعهم للحديث عن النزالات والبطولات و “من ربح من” ، و “من أسقط خصمه بالقاضية” …
وأستحضر جيدا تصريحا للملاكم التونسي من أصل يهودي “جاك شيش” قال فيـه ” أنه لتنظيم مباراة جيدة في الملاكمة، من الضروري تشريك مسلم ومسيحي ويهودي، لقـد كان الجمهور يأتي كل منهم لدعم طائفته، مما كان يتسبب في نشوب معارك رياضية لكنها كانت تنتهي بدون مشاكل، لقـد كنا نحتفل كان ذلك رائعا…. “

الملاكمة التونسية كانت حقيقة في تلك الفترة، جزءا من نظام إجتماعي نموذجي، وقد شكلت بالفعل ثورة ضد الظلم وانعدام العدالة الاجتماعية، وقد قاد هذا الحراك ملاكمون تونسـيون انطلقوا من شوارع تونس على اختلاف أطيافهم ودياناتهم.

الملاكمة ……. رياضة ضاربة جذورها في تاريخ تونس

لا يجب أن ننسى أن الملاكمة مثلت ولعقود طويلة الرّياضة الأولى في تونس، ومن الأسماء التي رسخت في ذاكرة التونسيين في النصف الاول من القرن 20 ( سنوات الأربعينات و الخمسينات ) حيث نجد عديد الأبطال كمحمد قومان، صالح بلخشينة، يونغ بيريز، الطاهر غانجو، يونغ سيكي، مختار بن مراد، أحمد بوشيبة، قدّور بن يونس، عبد الكريم حمّو، الشادلي الواتي، الصادق البحري، ابراهيم المحواشي، الرزقي القيزاني، عبد العزيز الحامي، سيمون بلعيش، عثمان النابلي، وعديد الأبطال هؤلاء الذين سيطروا على الملاكمة في شمال إفريقيا في تلك الفترة.

ثم جاء تأسيس الجامعة التونسية للملاكمة في 7 نوفمبر 1960 ليلتحق الجيل الثاني، وهذه الفترة تعتبر بداية التتويجات أو الجيل الذهبي، ومنهم بطل العالم العسكري عثمان النابلي وصاحب أول ميدالية أولمبية تونسية الحبيب قلحية وهي برونزية طوكيو 1964، وصولا إلى صاحب ذهبية ألعاب المتوسط بتونس 1967، فعمارة بوخريص والهادي شعبان و عزّ الدين العجيلي ثم البطل الكبير في الهواة و الإحتراف الطّاهر بلحسن ، نجيب عويدات …

 ثم تلاهم جيل الألقاب والفنيات، وهو جيل السبعينات و الثمانينات، ونستحضر منهم البطل بشير الجلاصي وهو أول بطل افريقي في الهواة وكان ذلك سنة 1979، و كذلك بطلي العالم صاحب الخطافية اليسارية كمال بوعلي والنمر الأسمر توفيق البلبولي، فالأخوين بندقة محمد وبشير و نجيب الصدام و لطفي بالخير صاحب ميداليتين ذهبيتين في الألعاب المتوسطية 79 و 83، وبطل العرب خميس الرفاعي، والفنـان رؤوف الحربي صاحب ميداليتين ذهبيتين في الألعاب المتوسطية 83 و 87، والبطل المتوسطي نور الدين البوغانمي، حمادي الشرقي وعبد الستار البحري و زمال التابعي وغيرهم …

وآخر العصر الذهبي للملاكمة التونسية مثله جيل التسعينات، فمن فتحي الميساوي صاحب ثاني ميدالية أولمبية في تاريخ الفن النبيل وهي برونزية أطلنطا 1996، إلى قلب الأسد البطل المتوسطي 97 محمد صالح المرموري، مرورا بكمال شاطر و بطل العالم العسكري رياض القلاعي، والبطل المتوسطي نور الدين البوغانمي، فنجم الإحترف نوفل بالرابح، وصولا إلى محمد بوناب، علي الطرابلسي وبطل افريقيا سنة 98 معز الزمزمي و البطل ابن باجة ادريس المالكي وغيرهم …

ونأتي بعـد ذلك إلى أوائل الألفية الثانية، ومثله جيل التتويجات ونذكر صاحب الرقم القياسي في التتويجات و بطل العالم العسكري وبطل افريقيا سنة 2005 وليد الشريف، فالبطل المتوسطي مراد الصحراوي، مرورا بالأخوين ساسي محمد علي وزياد ومحمد الصحراوي و سامي الجندوبي أبطال المتوسط في 2001، ولا ننسى الأخوين النفزي أيوب وزكريا، والبطل محمد الحمراني ووجدي سعيد، توفيق شوبة، رشاد المرداسي، صابر القاسمي، بطل العالم العسكري سامي الخليفي، معز فحيمة، مراد الشابي، عمر الجويني، وجدي سعيد، محمد علي الهرمي و بطل العرب بويحي مطيرة وغيرهم… 

آخر أحلام الملاكمة تجسمت مع حمزة نصر صاحب فضية في بطولة العالم للأصاغر، و بطل العرب الهادي السليماني، حمزة حسين، علاء سهيلي، سيف الدين النجماوي، بطل افريقيا يحي المكشري وأحمد الماجري، منتصر بوعلي، محمد أمين المسكيني حسان الشقطمي وبلال المحمدي ….

( ونعتذر لمن لم يذكر إسمه لأن القائمة على سبيل الذكر لا الحصر) …

ومن الأمثال الشعبية العامية المستعملة في عالم الملاكمة والتي بقيت في الأذهان نذكر:

‘ضربة من عند معلّم ولا عشرة من عند صانع، الضرب ينفع ما يضرّ، الضربة إلي ما تبركش تقوي، إذا وكّلت شبع و إذا ضربت وجّع’ …

وإذا رجعنا لقاموسنا الشعبي سنجد للملاكمة التونسية تحتوي على عديد المرادفات التي رسخت في الآذان مثل:

‘البونية، الدّم، الدّامة الماشة، المجلّغة، لا تقرأ لاتكتب، أعطيه بين النواظر’.

ومن النعوت أيضا: ” بَنْدِنْ” يقصد بها انسحب، برّكو، هبط يديه، ممسوس، مصوني، إشريه باليسار، وغيرها… كانت ولازالت تستعمل في عالم الملاكمة و خارجه.

وقد تراوحت الأهازيج أو أناشيد المدارج بين:
“يا عمارة طيّحو إشارة لعمارة بوخريص عندما كان يسقط منافسيه بالضربة القاضية”.
و”يا طاهر قوم” وذلك بعد سقوط البطل الكبير الطاهر بلحسن في نزالـه الشهير مع دافيد بوازون.

وبذلك نلاحظ أنه على مدى عقود مختلفة، تمكنت الملاكمة التونسية أن تخلق خصوصية لها ووحدة وطنية نادرة عزّزت بهـا روح الانتماء وجمعت أطيافا فرقتها الديانات ووحدتها حلبات الملاكمة.

وخلاصة القول، أن اللكمـات والقفازات خاصة، والرياضة عمومًا، قد تكون في كثير من الأحيان أقوى وأشد تأثيراً من الكلمات واللغة وحتى السيـاسة نفسهـا.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

ترك الرد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock