أخبار تونسالاخبارعاجل

ميلاد ترويكا جديدة.. وعزلة النهضة تتفاقم !

تسارعت الأحداثُ في تونس يوم أمس على نحوٍ ميلودراميّ، فاقم الأزمة السياسيّة من جهة، مع تلميح رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ لاستبعاد حركة النهضة من الحكم، وأنهى حالة التعايش المغشوش، بين رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النوّاب، من جهةٍ أخرى، بعد رفض رئيس الدولة قيس سعيّد الجلوس إلى راشد الغنوشي والتفاوض معهُ، من الأساس، حول تغيير الحكومة.

ولقد حملت أحداث يوم أمسٍ جملة من الرسائل الواضحة، بعناوين لافتة، لعلّ أبرزها قيام ترويكا جديدة ممثلّة في رئاسة الجمهورية والاتحاد العام التونسي للشغل ومؤسسة رئاسة الحكومة (وليس رئيس الحكومة)، وتعميق عزلةِ حركة النهضة، وخصوصًا دخول المعركة السياسية إلى طورٍ آخر، لا أحد بإمكانهِ توّقعِ نتائجه.

ترويكا جديدة

وفي الواقع، ساهمت حركة النهضةُ في تسريع الأحداثِ على ذلك النحو تحديدًا، بتعمّدها “اختلاق” وضعٍ زائفٍ بنت عليه طرحها القاضي بتفويض رئيس الحركة راشد الغنوشي للتفاوض مع رئيس الجمهورية حول تشكيل حكومة جديدة. فلا الرئيسُ أعطى الغنوشي الضوء الأخضر لإقالة الفخفاخ وتغيير الحكومة، ولا هو ناقشَ هذه المسألة من الأساس مع أيّ طرفٍ.

صحيح أنّ المقرّبين منه أكدوا في أكثر من مرة أن الرئيس نصح رئيس وزرائه بالاستقالة بعد تفجّر قضيّة تضارب المصالح، ولكن في غياب بيانٍ رسمي صادر عن مؤسسة رئاسة الجمهورية، علاوة على إحجام الرئيس عن استخدام حقّه الدستوري في عرض الحكمة على الثقة، تصبحُ قصّة “الإقالة أو الاستقالة”، محضَ فكرة خياليّة لا يمكنُ أن يبنى موقف كاملٌ.

وبالفعل لم يتأخّر ردّ رئيس الدولة وأعلن رفضه إجراء أي مشاورات لتشكيل حكومة جديدة ما دام رئيس الوزراء الحالي إلياس الفخفاخ لم يقدم استقالته أو لم توجه له لائحة اتهام.

ومن ثمّة قطع الطريق على مناورة النهضة وأثبت أنّهُ المتحكّم الرئيس في اللعبة.

ولتأكيد ذلك، لم يوجه رئيس الجمهورية استدعاء إلى راشد الغنوشي، بصفته كرئيس للبرلمان، لحضور اجتماع يوم أمس. وهذا الاجتماع هو الثاني من حيث الأهمية الذي لا يستدعى فيه سعيد الغنوشي، بعد اجتماع المجلس الأعلى للجيوش والقيادات الأمنية، ما يعكسُ قطيعةً نهائيّة بين الرئيس والغنوشي، على خلفيّة استهانة هذا الأخير المتكررة برئيس الجمهوريّة (راجع ما قالهُ الغنوشي بخصوص الرئيس على خلفية موقفه من الأزمة الليبية)، وتأسيسا لترويكا جديدة عمادها رئاسة الجمهوريّة ورئاسة الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر منظمة عمالية في البلاد.

وبالفعل، يعدُّ حضور نورالدين الطبوبي إلى الاجتماع، يكشف نجاح الرئيس سعيد في بناء جسر ثقةٍ مع المنظمة الشغيلة، خصوصا مع ما تشهدهُ البلادُ من أزمات اقتصادية وإجتماعية، وتوفير أكثر ما يمكن من استقرار حكوميّ، في انتظار البت يوم الجمعة القادمِ في قضيّة تضارب المصالح.

ولكن في مطلق الأحوال، وسواء بقي الفخفاخُ في الحكم أو غادرهُ، ثمّة واقعٌ سياسي جديد آخذٌ في التشكّل، واقعٌ استعاد فيه رئيس الجمهورية زمام المبادرة، بل وأحاط نفسهُ بحليف من الوزن الثقيل، حليف يحتاجهُ في معركته ضدّ النهضة التي لا تفوّت أيّ فرصة لتقزيمه والنيل من صلاحياته. 

عزلة النهضة تتعمّق

من جانبٍ آخر تعمّقت عزلة حركة النهضة أكثر فأكثر. فلائحة اللومُ الموّجهة ضد رئيسها تحصّلت على النصاب القانوني وستناقشُ داخل المجلس، وقد تجدُ نفسها خارج دائرة الحكم قريبًا، خصوصا بعد تصعيد إلياس الفخفاخ، المنتشي بدعم رئيس الجمهورية والمنظمة العمالية، وهو دعم يظلّ ظرفيا في انتظار نتائج التحقيق في قضيّة تضارب المصالح، قلنا بعد تصعيد الفخفاخ الذي أعلن في بيان رسميّ أنه يعتزم إجراء تعديل على تركيبة حكومته خلال الأيام المقبلة ليتناسب والمصلحة العليا للبلاد، حسب تعبيره.

واتهم الفخفاخُ حركة النهضة، وهي أكبر أحزاب الائتلاف الحاكم ولها 6 وزراء و54 مقعدا في البرلمان من جملة 217 مقعدا، بتأزيم المشهد السياسي وخدمة مصالحها الحزبية، والإخلال بمبدأ التضامن الحكومي. كما اعتبر دعوتها إلى تشكيل حكومة جديدة تهربا من قبل الحركة من التزاماتها وتعهداتها مع شركائها في الائتلاف في خضم ما وصفها بمساع وطنية لإنقاذ الدولة واقتصاد البلاد المنهك، كما وصف موقفها بأنه انتهاك صارخ واستخفاف بالاستقرار.

وهذا الموقفُ أعاد حليفهُ وعضدهُ الأيمن، محمّد عبو، صياغتهُ على نحوٍ أكثرَ وضوحًا حين اتهم حركة النهضة أنها تتصرف بعقلية “طائفة” لا “حزب”، مؤكدا أن النهضة مادامت في الحكم فإنها ستمنع الإصلاح لان مصلحتها تقتضي عدم إجراء إصلاح في تونس. ولم يكتف الوزير عبو بذلك، بل فسّر مناورات النهضة الأخيرة كردّ فعل على فتح الحكومة لملفات فسادٍ تعلّقت بشخصيات مقرّبةٍ منها. ولعلّ هذا التصريحَ هو الأخطر لأنّهُ يكشفُ علنا عن دخول المعركة السياسية طورًا جديدًا، سيكونُ عنوانهُ الابرزُ “حربُ الوثائق”، وهو ما يؤشر بالنهاية إلى صيفٍ حارقٍ خصوصا إذا مضى الفخفاخ في تصعيده وأقال وزراء النهضة.

المعادلة تغيّرت

ووسط كلّ هذه التجاذبات، أعلنت هيئة مكافحة الفساد في تونس إحالة الوثائق المتعلقة بالتصريح بالمصالح والمكاسب لرئيس الحكومة إلياس الفخفاخ إلى النيابة العمومية والقطب القضائي المالي بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي. كما أكدت الهيئة في بيان لها إحالة وثائق ومعطيات إلى رئاسة البرلمان بشأن صفقة عمومية أحد أطرافها شركة يملك رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ أسهما فيها.

يشارُ إلى أنّ أزمة تضارب المصالح لم تنتهِ بدورها، في انتظار نتائج التحقيق فيها، من طرف هيئات المراقبة والتحقيق، سواء صلب مؤسسة رئاسة الحكومة، بإشراف مباشر من محمد عبو، أو صلب مجلس نواب الشعب، خصوصا أن ثمة لجنة برلمانية تشكلت بمبادرة من كتلتي قلب تونس وائتلاف الكرامة المعارضتين للتحقيق في شبهات حول تضارب المصالح.

ومع ذلك، لن تغيّر إدانةُ رئيس الحكومة واستقالتهُ من منصبهِ، المعادلة الجديدة التي تشكّلت. فأطرافُ اللعبة الكبار وصلوا إلى نقطة اللاعودة.

فإذ أظهر الرئيس سعيد أنه خصم عنيد، استوعب جيدا مناورات خصومه، وتحديدا النهضة، فإنّ الواقع يقولُ أيضا أن أغلب وجوه الطيف الحاكم زائد المنظمة الشغيلة، باتت ترى في حركة النهضة عبئا ثقيلاً على المسار الديمقراطي في تونس، وعلى استقرار البلد بأسرهِ.

ومن ثمّ سيلغي أيّ مشهد سياسيّ قادمٍ حركة النهضة من المعادلة، لتعودَ مجبرة إلى مقاعد المعارضة، بعد تجربة في الحكم دامت حوالي عشر سنوات، تجربة يجمعُ الكلّ على أنها عادت بالبلاد سنوات ضوئية إلى الوراء.

المصدر: شكشوكة تايمز

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

ترك الرد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock